الوصية الأخيرة
همسات الماضي
بقلم سلمى الجابري
استيقظت ليلى على شعاع شمس دافئ يداعب وجهها، حاولت أن تتذكر تفاصيل الليلة الماضية، لكن الذاكرة كانت ضبابية، تذكرت فقط صوت جدها المتكسر وهو يهمس بكلمات غير مفهومة، ثم غابت عن الوعي. شعرت بألم خفيف في رأسها، وبأنفاسها المنتظمة، فتحت عينيها لتجد نفسها في غرفتها الهادئة، حيث الأثاث القديم الذي يحمل عبق ذكريات الطفولة. نهضت جلست على حافة السرير، والتفتت حولها، كل شيء كان في مكانه، كأن شيئًا لم يحدث. لكن شعورًا غريبًا بالثقل كان يكتنف صدرها، شعور بأن هناك شيئًا مهمًا قد ضاع، أو أن شيئًا عظيمًا على وشك الحدوث.
نظرت إلى النافذة، السماء صافية، والطيور تزقزق في الخارج، بدا المشهد وكأنه يدعوها لنسيان ما حدث، لكن ما حدث لم يكن شيئًا يمكن نسيانه بسهولة. جدها، الرجل الذي كان بمثابة عالمها بأسره، الرجل الذي ربّاها على حب القراءة والشعر، الرجل الذي منحها دفء العائلة بعد فقدان والديها في حادث غامض، هو الآن في حالة حرجة، وآخر كلماته، آخر أنفاسه، كانت تحمل سرًا.
نهضت من السرير، ارتدت ثوبًا بسيطًا، وخرجت من الغرفة متجهة نحو جناح جدها. كانت الأضواء خافتة، ورائحة الأعشاب الطبية تملأ المكان. ممرضته المخلصة، أمينة، كانت تجلس بجوار السرير، تبدو شاحبة ومتعبة. رفعت أمينة رأسها عند سماع خطوات ليلى، وبابتسامة مرهقة قالت: "صباح الخير يا بنتي، كيف حالك؟"
"بخير يا أمينة، كيف حال الجد؟" سألت ليلى بصوت خفيض، وقلبها يخفق بقوة. "مستقر، لكنه ضعيف جدًا. لم يستيقظ منذ أن غادرتِ بالأمس." أجابت أمينة وهي تعود لتنظر إلى جدها.
اقتربت ليلى من السرير، ومدت يدها لتلمس يد جدها الهزيلة. كانت باردة، وشرايينها بارزة تحت جلدها الرقيق. نظرت إلى وجهه الطيب، الذي تكسوه التجاعيد، والتي كانت شاهدة على سنوات طويلة من الحكمة والتجارب. تساءلت في نفسها: ما هي الوصية الأخيرة التي أراد جدها أن يبلغها لها؟ وما هي الأسرار التي حملتها كلماته الأخيرة؟
تذكرت ليلة أمس، قبل أن تفقد الوعي. كانت قد جلبت لجدها كوبًا من الشاي الساخن، وجلست بجانبه، تقرأ له من ديوان شعر قديم. فجأة، أمسك بيدها بقوة، وبدأ يتكلم بصوت مرتجف: "ليلى... يا ابنتي... الوصية... لا تنسي... الأمانة... هي... هي المفتاح... ابحثي... في... صندوق... جدتك... القديم..." ثم سعل بعمق، وتوقف عن الكلام، وبدأت عيناه تتقلبان، وفقد وعيه.
"صندوق جدتي القديم؟" همست ليلى لنفسها، وهي تحاول استعادة بقايا المشهد. كانت جدتها، والدة والدها، قد توفيت قبل أن تعرفها. كانت دائمًا تسمع قصصًا عنها، عن جمالها، عن ذكائها، وعن موهبتها في الخط والرسم. هل كان هناك شيء مخبأ في هذا الصندوق؟ شيء له علاقة بالأمانة والمفتاح؟
"هل قلت شيئًا يا بنيتي؟" سألت أمينة، التي لاحظت شرود ليلى. "لا، أمينة. فقط كنت أفكر." أجابت ليلى، محاولة استجماع قواها.
"الأمانة، المفتاح، صندوق جدتي القديم." تكررت الكلمات في ذهن ليلى كألحان غامضة. جدتها لم تكن مجرد امرأة عادية، بل كانت ابنة لأسرة عريقة، كانت معروفة بذكائها الحاد، وقدرتها على حل الألغاز. هل كانت هناك مخطوطة قديمة، أو قطعة أثرية، أو ربما رسالة؟
تسلل شعور بالفضول ممزوجًا بالرهبة إلى قلب ليلى. يبدو أن حياتها الهادئة على وشك أن تتغير بشكل جذري. جدها ترك لها لغزًا، لغزًا يبدو أنه يحمل في طياته مفاتيح ماضٍ غامض، وربما مستقبل مجهول.
"أمينة، هل تعرفين أين هو صندوق جدتي القديم؟" سألت ليلى، وبدا صوتها يحمل نبرة جديدة من التصميم. نظرت إليها أمينة باستغراب: "صندوق جدتك؟ إنه في العلية. لم يمسسه أحد منذ سنوات. لماذا تسألين؟" "لا أعرف بالضبط، لكنني أشعر أن جدتي أرادت أن تقول لي شيئًا من خلاله. أشعر أن هناك شيئًا مهمًا بداخله." قالت ليلى، وعيناها تلمعان ببريق الأمل والترقب.
"كما تشائين يا بنتي. لكن العلية مكان مظلم ومليء بالغبار. هل أنتِ متأكدة؟" "أنا متأكدة." أجابت ليلى بحزم.
وقفت ليلى، وتوجهت نحو باب الغرفة، وقبل أن تغادر، نظرت مرة أخرى إلى جدها، وقالت بصوت خافت: "لا تقلق يا جدي، سأجد ما تريد." ثم خرجت، متوجهة نحو العلية، نحو صندوق جدتها، ونحو الوصية الأخيرة. كانت تشعر بأن رحلة البحث قد بدأت للتو، رحلة قد تكشف لها عن حقائق لم تكن تتوقعها أبدًا، حقائق قد تغير حياتها إلى الأبد.