الوصية الأخيرة
عبق الذكريات
بقلم سلمى الجابري
صعدت ليلى الدرجات الخشبية المتآكلة المؤدية إلى العلية، كل درجة كانت تئن تحت وطأة قدميها، وكأنها تحتج على هذا الاقتحام لسباتها الطويل. الهواء في العلية كان راكدًا، محملًا برائحة الغبار العتيق، ورائحة الخشب القديم، ورائحة الورق الأصفر. أشعة الشمس الخجولة كانت تتسلل من خلال فتحات صغيرة في السقف، وترسم خطوطًا من الضوء على أرضية العلية المكسوة بالألواح الخشبية. كانت العلية أشبه بكنز دفين، مليئة بالأشياء التي حملتها سنوات العمر، والتي حفظتها الأجيال. صناديق خشبية قديمة، أثاث مغطى بالأغطية البيضاء، حقائب جلدية بالية، وكلها تحمل عبق الماضي.
كانت ليلى تبحث بعينيها في كل زاوية، تشعر وكأنها تجول في متاهة من الزمن. تذكرت كم كانت تحب العلية في طفولتها، عندما كانت تأتي مع جدها لاستكشافها، كل شيء كان يبدو سحريًا بالنسبة لها. كانت تتخيل أن كل قطعة من هذه الأشياء تحمل قصة، قصة بطلها رجل أو امرأة من الماضي. الآن، هي هنا مرة أخرى، ولكن بقلب مثقل بالهم، وبمهمة محددة.
"صندوق جدتي القديم..." همست ليلى لنفسها، وهي تبدأ رحلة البحث. كانت تعلم أن جدتها لم تكن تحتفظ بأي شيء عادي. كانت امرأة ذات ذوق رفيع، وتقدير عميق للفنون والآداب. ربما كان الصندوق يحتوي على رسائل غرامية، أو يوميات مكتوبة بخط يدها الجميل، أو ربما لوحات فنية لم ترها عين أحد.
بدأت ليلى بفتح الصناديق القريبة منها. كان أحدها مليئًا بالملابس القديمة، ثياب حريرية بالية، وأوشحة مطرزة، وكلها تحمل رائحة العطور القديمة. وجدت في صندوق آخر مجموعة من الأوراق القديمة، فواتير، ووثائق، لكن لا شيء يبدو ذا أهمية خاصة. كلما فتحت صندوقًا، كان قلبها يخفق بالأمل، ثم يعود ليخفق بالإحباط.
مرت ساعة، ثم ساعتان. بدأت ليلى تشعر بالإرهاق، والغبار بدأ يسبب لها السعال. لكنها لم تفقد الأمل. كانت تعلم أن جدها لم يكن ليقول شيئًا عبثًا. يجب أن يكون هذا الصندوق هنا في مكان ما.
"أين يمكن أن يكون؟" تساءلت، وهي تمسح جبينها المبلل بالعرق. اقتربت من زاوية مظلمة في العلية، حيث كانت تتكدس بعض الأشياء القديمة، وكان هناك صندوق كبير، يبدو أنه أقدم من كل الصناديق الأخرى. كان مصنوعًا من الخشب الداكن، ومزينًا بنقوش غريبة. كانت مقابضه من النحاس، وقد فقدت بريقها بفعل الزمن. شعرت ليلى بأن قلبها يقفز. هل يمكن أن يكون هذا هو الصندوق؟
اقتربت بحذر، ونظرت إلى النقوش. كانت تشبه رموزًا قديمة، لم ترها من قبل. رفعت يدها لتلمس سطح الصندوق. كان أملس وباردًا. حاولت أن تجد أي مفتاح أو قفل، لكن لم يكن هناك شيء واضح. كيف يمكن فتحه؟
تذكرت مرة أخرى كلمات جدها: "الأمانة... هي المفتاح..." "المفتاح..." كررت ليلى، وهي تتفحص الصندوق بعناية. هل كان المفتاح شيئًا ماديًا، أم شيئًا رمزيًا؟
نظرت إلى النقوش مرة أخرى. بدأت تتذكر شيئًا. كانت قد رأت شيئًا مشابهًا في إحدى الكتب القديمة التي كان جدها يحتفظ بها. كانت تلك الكتب تتحدث عن الأسرار القديمة، وعن الرموز التي كانت تستخدم في الماضي.
"أمينة!" نادت ليلى بصوت عالٍ، متناسية أنها بمفردها في العلية. تنهدت، وقالت لنفسها: "لا فائدة. يجب أن أعتمد على نفسي."
بدأت ليلى تبحث حول الصندوق، ربما كان هناك شيء مخبأ تحته، أو خلفه. وفجأة، لمحت شيئًا لامعًا بين الأنقاض. كانت قطعة معدنية صغيرة، على شكل مفتاح، لكنها لم تكن مفتاحًا عاديًا. كانت مزينة بنفس النقوش الغريبة الموجودة على الصندوق.
"هذا هو!" صاحت ليلى، وشعرت بأن الدماء تجري في عروقها بحماس. أخذت المفتاح، وتوجهت نحو الصندوق. بحثت عن مكان لوضع المفتاح، ووجدت في منتصف الصندوق، تحت النقوش، فتحة صغيرة بالكاد تكون مرئية. أدخلت المفتاح بحذر، وأدارته. سمعت صوت طقطقة خافتة، ثم انفتح الغطاء.
فتحت ليلى الصندوق ببطء، وقلبها يدق كطبول الحرب. ما الذي ستجده بداخله؟ هل ستجد ما يبحث عنه جدها؟ هل ستجد مفتاحًا لحل هذا اللغز؟
كان الصندوق مليئًا بالورق. لم يكن مجرد ورق عادي، بل كانت مخطوطات قديمة، مكتوبة بلغة غريبة، ومرسوم عليها خرائط ورسومات. كانت هناك أيضًا مجموعة من الرسائل، وكلها موجهة إلى "ابنتي الغالية".
"ابنتي الغالية..." همست ليلى، وهي تشعر بشيء غريب. هذه الرسائل لم تكن من جدتها، بل من شخص آخر. من؟ أخذت إحدى الرسائل، وبدأت تقرأ. كان الخط جميلًا، لكن اللغة كانت قديمة، وصعبة الفهم. ومع ذلك، بدأت ليلى تدرك أن هذه الرسائل كانت تحمل قصة. قصة حب، وقصة مغامرة، وقصة سر عائلي كبير.
جلست ليلى وسط الغبار، محاطة بمخطوطات جدتها، تشعر بأنها على وشك اكتشاف شيء سيغير حياتها إلى الأبد. كانت هذه هي الوصية الأخيرة، وليست مجرد كلمة، بل هي بداية رحلة.