حيث تختبئ الحقيقة
الفصل 13 — الكمين والأثر المتلاشي
بقلم رنا الطاهر
الفصل 13 — الكمين والأثر المتلاشي
كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، تلقي بظلالٍ قصيرةٍ على رمال الواحة، عندما خرج "نور" و"علي" من الكهف. كانا يتنفسان بعمق، يشعران ببرودة الهواء الممزوجة برائحة التراب. في أيديهما، كانا يحملان ثقل الحقيقة، والصندوق الخشبي الذي أصبح رمزًا لأملٍ قديم. لم يكن الكهف مجرد مكانٍ مظلم، بل كان رحلةً إلى أعماق التاريخ، حيث اختبأت الأسرار، وتجلت الخيانة.
"لقد فعلناها يا علي!" قالت "نور" بصوتٍ خافت، ما زالت متأثرة بما وجدته. "وجدنا الدليل. وجدنا ما كان يحاول جدتي ووالدتي حمايته."
"نعم، ولكننا لسنا وحدنا في هذه الرحلة. يبدو أن هناك من يراقبنا."
لقد سمعا خطواتٍ واضحةً تقترب من مدخل الكهف. لم يكن صوت الريح، بل كان صوت بشر. كانت الشمس تلقي بظلالٍ طويلةٍ على الأرض، مما جعل الرؤية صعبة، ولكن الأصوات كانت كافية لإثارة القلق.
"علي، هل أحضرت أي شيءٍ يمكن أن يساعدنا؟" سألت "نور" بقلق.
"لدي بعض الأدوات، ولكنها ليست أسلحة. علينا أن نكون حذرين."
لم ينتظروا. انطلقا مسرعين في اتجاه الرمال المفتوحة، بعيدًا عن التلال الصخرية. كانا يأملان أن يتمكنا من الاختباء بين الكثبان الرملية، أو أن يصلوا إلى مكانٍ آمن. ولكن مطارديهم كانوا أسرع.
من بين الظلال المتراقصة، ظهرت شخصياتٌ عدة. كانوا رجالًا يرتدون ملابس داكنة، وبدت على وجوههم تعابيرٌ قاسية. كانوا يتقدمون بسرعة، يحاصرونهم.
"توقفوا! لن تذهبوا إلى أي مكان!" صاح أحدهم، وكان صوته يحمل سلطةً وقسوة.
"من أنتم؟ وماذا تريدون؟" سأل "علي" محاولًا حماية "نور" خلفه.
"نحن هنا لنعيد ما أخذتموه. هذه الأشياء ليست لكم."
"هذه الأشياء تخص تاريخ الواحة! تخص أجدادنا!" ردت "نور" بشجاعة، رغم أن قلبها كان يخفق بعنف. "إنها ليست ملكًا لسالم أو لأي شخصٍ آخر!"
"هذا ما سنقرره نحن! سلموا ما لديكم، ولن يحدث لكم شيء."
أدرك "نور" و"علي" أن الكلام لن يجدي نفعًا. أن هؤلاء الرجال يمثلون "سالم" ومصالحه. كان عليهم الهرب.
"اركضي يا نور!" صاح "علي"، ودفعها إلى الأمام. "أنا سأشغلهم!"
لم تتردد "نور". ألقت بالصندوق الخشبي الثمين إلى "علي" ليوصله، وبدأت في الركض بأقصى سرعةٍ نحو قلب الواحة. كانت تعرف أن هذه هي فرصتها الوحيدة لإيصال الحقيقة إلى أيدي آمنة.
اشتبك "علي" مع الرجال، محاولًا إعطاء "نور" الوقت الكافي. كان قويًا وشجاعًا، ولكنه كان رجلًا واحدًا ضد مجموعة. في خضم المعركة، شعر "علي" بضربةٍ قويةٍ على رأسه، فترنح، وسقط على الرمال. ولكن قبل أن يسقط تمامًا، استطاع أن يلقي الصندوق الخشبي في اتجاهٍ بعيد، نحو مكانٍ كان يعرف أنه آمن - كوخ "الشيخة فاطمة"، المرأة الحكيمة التي كانت تحظى باحترام الجميع في الواحة.
"خذوه!" صرخ "علي" بصوتٍ ضعيف، وهو يحاول النهوض.
لم تستطع "نور" أن ترى ما حدث لـ"علي" بشكلٍ واضح، ولكنها سمعت صراخه. واصلت الركض، والدموع تملأ عينيها، وقلبها يشتعل بالغضب والألم. شعرت بأنها قد فقدت جزءًا منها.
عندما وصلت إلى كوخ "الشيخة فاطمة"، كانت تلهث، بالكاد قادرة على الكلام. "شيخة فاطمة... أرجوكِ... أنقذي هذا الصندوق... إنه يحمل الحقيقة... عن الواحة... وعن جدتي..."
كانت "الشيخة فاطمة" تنتظرها. لقد شعرت بالاضطراب الذي عم الواحة، وبدأت تخمن أن شيئًا خطيرًا قد حدث. احتضنت "نور" بقوة، ونظرت إلى الصندوق الذي وضعته "نور" أمامها.
"اهدئي يا ابنتي. أنا هنا. سأحافظ على هذا السر. وسنتحقق من كل شيء."
في هذه الأثناء، كان الرجال قد تمكنوا من السيطرة على "علي". لقد ضربوه بعنف، ولكنه لم يتكلم. لم يكشف عن مكان "نور"، ولم يكشف عن الصندوق. لقد ألقى بالصندوق بعيدًا، وكان يعلم أن "الشيخة فاطمة" ستكون المكان الآمن له.
عاد الرجال إلى "سالم" خاليي الوفاض. "لقد هربت الفتاة، يا سيدي. لقد سلمت الصندوق لـ'الشيخة فاطمة'."
غضب "سالم" بشدة. "الشيخة فاطمة؟ هذه المرأة العجوز! لقد كانت دائمًا مصدر إزعاج! والآن، أصبحت تمثل تهديدًا جديدًا. ماذا عن الشاب؟"
"لقد حاولنا إيقافه، ولكنه قاوم. لقد تعرض لإصابات، ولكنه لم يكشف عن شيء."
"هذا المراهق العنيد! يجب أن نجعله يتكلم. ولكن الأولوية الآن هي استعادة الصندوق. اذهبوا إلى كوخ 'الشيخة فاطمة'. أحضروا الصندوق بأي ثمن. ولكن تذكروا، لا نريد إثارة ضجة. اجعلوا الأمر يبدو وكأنه تحقيقٌ روتيني."
وبينما كان "سالم" يصدر أوامره، كانت "نور" تجلس بجوار "الشيخة فاطمة"، تشعر بالإرهاق والألم. لقد بدأت قصة جدتها ووالدتها تتكشف، ولكن الثمن كان باهظًا. لقد فقدت "علي" مؤقتًا، وكان الخطر يحدق بهم.
"لا تقلقي يا ابنتي،" قالت "الشيخة فاطمة" وهي تربت على يدها. "الحقيقة أقوى من أي قوة. لقد رأيت الظلم في هذه الواحة لسنوات. والآن، حان وقت تغييره. لقد رأيت الأمل يتجسد في عينيك، وفي ما حمله هذا الصندوق."
نظرت "نور" إلى "الشيخة فاطمة"، وشعرت ببعض الطمأنينة. كانت تعلم أن هذه المرأة العجوز الحكيمة ستقف معها. ولكنها كانت تعلم أيضًا أن المعركة من أجل الحقيقة قد دخلت مرحلةً جديدة، وأن الطريق أمامها سيكون مليئًا بالتحديات. كان أثر "علي" قد تلاشى في المعركة، ولكن أثر الحقيقة التي وجدتها، والأمل الذي حملته، كان يتجذر بقوة في قلب الواحة.