حيث تختبئ الحقيقة

الفصل 18 — همسات الماضي وقناع الأمان

بقلم رنا الطاهر

الفصل 18 — همسات الماضي وقناع الأمان

في ظلام الليل، حيث تتوارى الأعين وتتحدث الأصوات الخافتة، كان منزل السيدة ليلى يعج بالتوتر. استقبلت أحمد والقاضي سليمان بترددٍ واضح، وكانت يداها ترتجفان وهي تقدم لهما كوباً من الماء. كانت عيناها تحملان قصةً طويلة من الألم والخوف، قصةً حاولت جاهدةً إخفاءها خلف قناعٍ رقيقٍ من الصمود.

"أنا... أنا آسفةٌ لعدم تمكني من مقابلتكما في وقتٍ أبكر," قالت بصوتٍ بالكاد مسموع. "ولكنني... كنتُ أخاف."

"لا بأس يا سيدة ليلى," قال القاضي سليمان بصوتٍ هادئٍ ومشجع. "نحن نتفهم وضعك. ولكننا نعتقد أن لديكِ معلوماتٍ قد تساعد في كشف الحقيقة. المعلومات التي قد تنقذ أرواحاً، أو على الأقل، تجلب العدالة لمن يستحقها."

جلست ليلى على طرف الأريكة، تحدق في يديها. "لقد عشتُ في خوفٍ منذ وفاة خالد. أشعر وكأن هناك من يراقبني، ينتظر أي خطأٍ لأستغلّه."

"من هو هذا الشخص يا سيدة ليلى؟" سأل أحمد بجدية. "من الذي تخافين منه؟"

تنهدت بعمق. "لطالما كان خالد على خلافٍ مع شخصٍ معين. شخصٌ قويٌ وذو نفوذ. كانا يتنافسان على صفقةٍ كبيرة، صفقةٌ كانت ستغير مسار حياة الكثيرين. خالد كان قلقاً جداً في الأيام الأخيرة قبل وفاته. كان يقول إن هناك من يحاول إجباره على الانسحاب، وإنهم يهددونه."

"هل ذكر اسم هذا الشخص؟" سأل أحمد، وقلبه يدق بسرعة.

"كان يتهامس باسم... مراد. السيد مراد. كان يقول إن مراد لا يتورع عن فعل أي شيءٍ لتحقيق مآربه."

كان اسم مراد قد تردد على مسامع أحمد من قبل، ولكنه لم يكن يتخيل أبداً أن يكون مرتبطاً بشكلٍ مباشر بوفاة والد خالد، وربما بوالده أيضاً.

"هل كانت هناك أي وثائقٍ أو أوراقٍ متعلقة بهذه الصفقة؟" سأل القاضي سليمان.

"نعم،" قالت ليلى، "خالد كان يحتفظ ببعض الوثائق الهامة في مكانٍ سري. كان خائفاً من أن يتم سرقتها. ولكنني... لا أعرف أين هو هذا المكان. بعد وفاته، بحثتُ في كل مكان، ولكنني لم أجد شيئاً."

"هل تتذكرين أي تفاصيلٍ عن هذا المكان؟ أي مفاتيح؟ أي تلميحات؟" ألح أحمد.

بدأت ليلى تسترجع ذكرياتها، وعيناها تتجولان في الغرفة، وكأنها تبحث عن إجاباتٍ في جدرانها. "كان يقول دائماً إن 'الكنز' محفوظٌ حيث 'لا تصل إليه الأيدي'. كان يحب الألغاز. أتذكر أنه كان لديه صندوقٌ خشبيٌ قديم، ورثه عن جده، كان يحتفظ فيه بأشياءٍ عزيزة. ربما..."

"ربما كان الصندوق هو المكان السري؟" أكمل أحمد.

"ربما. ولكن الصندوق... لم أجده منذ فترةٍ طويلة. لقد اختفى أيضاً."

شعر أحمد بخيبة أملٍ طفيفة، ولكنه كان ممتناً للمعلومات التي حصل عليها. اسم مراد كان مؤشراً قوياً.

"شكراً جزيلاً لكِ يا سيدة ليلى," قال القاضي سليمان. "لقد كانت معلوماتك قيّمة جداً. نحن نقدر شجاعتك. إذا حدث أي شيءٍ آخر، أو تذكرتِ أي تفصيلٍ جديد، فلا تترددي في الاتصال بنا."

غادر أحمد وسليمان المنزل، يشعران بثقلٍ جديدٍ في مهمتهما. اسم مراد لم يعد مجرد شكٍ، بل أصبح اتهاماً قوياً.

"مراد... لم أكن أتخيل أن يصل فساده إلى هذا الحد," قال أحمد بمرارة.

"لقد حذرتك أن هناك قوىً خفيةً تعمل في الظلام يا أحمد," قال القاضي سليمان. "ولكن الآن، لدينا اسم. وهذا يعني أننا نستطيع بدء التحرك بشكلٍ أكثر فعالية."

"ولكن كيف نثبت تورطه؟ كيف نربط بينه وبين اختفاء والدي؟"

"هذا هو التحدي الكبير. مراد رجلٌ حذرٌ جداً، ومن المؤكد أنه اتخذ كل الاحتياطات. ولكن لديه نقطة ضعف: طمعه. سنبحث عن أي صفقةٍ مشبوهة، أي تضاربٍ في مصالحه، أي شيءٍ يدل على تورطه."

في هذه الأثناء، كان مراد في قصره، يتلقى تقريراً مفصلاً عن لقاء أحمد وسليمان مع السيدة ليلى. كان وجهه خالياً من أي تعابير، ولكنه كان يشعر بالغضب يتصاعد في داخله.

"السيدة ليلى... لم أكن أعرف أنها لا تزال تحتفظ بالكثير," قال مراد لرجاله. "كان يجب أن أتخلص منها منذ زمنٍ طويل."

"ما هو الأمر التالي سيدي؟" سأل أحد رجاله.

"علينا أن نزيد من الضغط على ماجد. إنه يعرف الكثير، وقد يبدأ بالانهيار تحت الضغط. يجب أن نضمن صمته، أو ربما... نحول مسار الشكوك إليه."

كان مراد ينسج شبكته بإحكام، محاولاً استغلال كل نقطة ضعف، وكل خوف. كان يقدم لنفسه قناع الأمان، بينما يخفي وراءه قلباً قاسياً لا يعرف الرحمة.

بعد ذلك، قرر أحمد وسليمان زيارة ماجد مرةً أخرى. هذه المرة، كانا يحملان معهما معلوماتٍ جديدة، ومعلوماتٍ قد تكشف قناع الأمان الذي يرتديه ماجد.

"عم ماجد،" قال أحمد بجدية، "لقد علمنا أن السيد مراد كان على خلافٍ كبير مع والدي، وأن بينهما صفقةً عقارية مشبوهة. هل تعرف شيئاً عن ذلك؟"

نظر ماجد إلى أحمد، وبدت على وجهه علامات الارتباك. "لا... لا أعرف شيئاً عن أي خلافاتٍ بينكما."

"ولكن،" قال القاضي سليمان، "لدينا معلوماتٌ تفيد بأنك كنت على علمٍ ببعض هذه الترتيبات. وأنك حاولت التوسط بينهما. هل هذا صحيح؟"

بدأ ماجد يتعرق. "لقد... كانت هناك بعض الخلافات، نعم. ولكنها كانت خلافاتٌ تجارية بسيطة. لا شيءٌ خطير."

"ماجد،" قال أحمد بحزم، "والدي اختفى، والسيد خالد توفي في ظروفٍ غامضة. وكل الخيوط تقود إلى السيد مراد. إذا كنت تعرف شيئاً، فالوقت مناسبٌ لتكشف الحقيقة. لصالح والدك، ولصالح العدالة."

شعر ماجد بالضغط يتزايد. كان يعرف أنه محاصر. كان عليه أن يختار بين حماية نفسه، أو كشف الحقيقة، وهي حقيقةٌ قد تكون خطيرةً جداً. همسات الماضي كانت تلاحقه، وقناع الأمان الذي بناه بدأ يتصدع.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%