أرض النجوم المستحيلة

الفصل 2 — صدى الأساطير في ضباب البحيرة

بقلم طارق الحكيم

الفصل 2 — صدى الأساطير في ضباب البحيرة

مرت الأيام، وظلت "ليلى" أسيرة أحلامها، لكنها لم تعد مجرد أحلام سلبية. بدأت تدون ملاحظات في مفكرتها، تجمع كل ما سمعته عن "بحيرة الأسرار" و"الأرض المستحيلة" من حكايات الأجداد، ومن حديث جدتها، ومن الشذرات المتناثرة في الكتب القديمة. كانت تحاول ربط الخيوط، البحث عن نمط، عن دليل يشير إلى حقيقة هذه الأساطير.

كانت "بحيرة الأسرار" موقعًا مهيبًا، تقع على بعد يومين سيرًا على الأقدام من القرية، تحيط بها أشجار صنوبر عملاقة، وتبدو مياهها داكنة، وكأنها تحتضن ظلمة لا تنتهي. قليلون فقط من أهل القرية كانوا يقتربون منها، وكانوا يفعلون ذلك غالبًا بدافع الضرورة، لجمع بعض الأعشاب النادرة التي تنمو على ضفافها، أو لانتظار عبور أسراب الطيور المهاجرة. أما عبورها، أو الاقتراب من وسطها، فكان يعتبر ضربًا من الجنون.

كانت الجدة "فاطمة" تراقب ابنتها بقلق متزايد. كانت ترى فيها شغف جدها، لكنها كانت تخشى أن يتملكها نفس المصير. لم تكن تريد أن ترى قلب "ليلى" ينكسر، أو أن تخسرها في ظلمات المجهول.

"ليلى، يا عزيزتي، لماذا تقضين كل هذا الوقت في البحث عن شيء لا وجود له؟" سألتها الجدة ذات مساء، وهي تجلس بجانبها بجوار المدفأة المشتعلة.

"وجوده يا جدتي هو ما يجعلني أبحث. أليس كل شيء له بداية؟ وكل أسطورة يقف خلفها حدث حقيقي؟" أجابت "ليلى" وعيناها مثبتتان على أوراقها.

"بعض الأساطير تبقى مجرد أساطير، يا ابنتي. وبعض الحدود خُلقت لتُحترم، لا لتُكسر." قالت الجدة بصوت حزين. "تذكري ما حدث لجدك. لقد استهلكه حلمه. كاد أن يستهلك حياته."

"لكنه لم ييأس أبدًا، أليس كذلك؟" ردت "ليلى" بهدوء. "كان يؤمن بأن هناك شيئًا ينتظرنا. ولأنني أحبه، أريد أن أكمل ما بدأه. أريد أن أعرف."

كانت هناك في القرية شخصية أخرى، لم تكن "ليلى" تفهم دائمًا دوافعه، هو "سامي"، شاب في مثل عمرها، يتمتع بقوة بدنية واضحة، لكنه كان يبدو دائمًا متحفظًا، شبه منعزل. كان سامي ابن الصياد الكبير "أبو خالد"، الذي كان من أوائل الأشخاص الذين حاولوا استكشاف "بحيرة الأسرار" في الماضي، وقد اختفى في إحدى رحلاته، تاركًا وراءه ابنًا وحيدًا يحمل عبء ذكرى والده.

في أحد الأيام، وبينما كانت "ليلى" تتفقد بعض أدوات الرسم القديمة لوالدها، الذي كان رسامًا موهوبًا قبل أن يرحل مبكرًا، وجدتها ملقاة في صندوق مهمل. تحت بعض الأوراق، وجدت "ليلى" خريطة مرسومة باليد، عليها علامات غريبة، وكتابات بلغة لم تفهمها. لم تكن هذه الخريطة تشبه أي خريطة أخرى رأتها. كانت هناك علامة مميزة في وسطها، تشبه شكل نجمة.

"ما هذا؟" سألت نفسها بصوت عالٍ، وبدأ قلبها يدق بشدة. هل يمكن أن تكون هذه خريطة إلى "الأرض المستحيلة"؟

قررت "ليلى" أن تطلب المساعدة. كانت تعلم أن "سامي" كان غالبًا ما يتجول بالقرب من البحيرة، ربما كان يعرف شيئًا. في صباح اليوم التالي، ذهبت "ليلى" إلى حيث يعيش "سامي" مع والدته، وهي امرأة تعيش في عزلة أشد من ابنها.

طرقت "ليلى" الباب بحذر. فتحت والدة "سامي" الباب، امرأة شاحبة الوجه، عيناها غائرتان، تبدو وكأنها فقدت روحها منذ زمن.

"أنا... أنا أبحث عن سامي،" قالت "ليلى" بخجل.

"سامي ليس هنا،" أجابت المرأة بصوت واهن، وكأنها لا تهتم.

"هل يمكن أن تخبريه أنني أريد التحدث إليه؟ الأمر هام جدًا."

ترددت المرأة للحظة، ثم قالت: "إنه عند البحيرة. دائمًا ما يكون عند البحيرة."

اتجهت "ليلى" نحو "بحيرة الأسرار". كانت تعلم أن الاقتراب منها يحمل نوعًا من الرهبة، لكن فضولها كان أقوى من أي خوف. كلما اقتربت، كلما شعرت بالبرد يتزايد، والهواء يصبح أثقل. رأته عند حافة البحيرة، واقفًا، يحدق في المياه الداكنة، وكأنها تخفي له سرًا.

"سامي؟" نادت "ليلى" بصوت مرتفع قليلًا.

التفت "سامي" نحوها. كانت عيناه تحملان مزيجًا من الحزن والغضب، لكن فيهما أيضًا لمعة من الشك. "ماذا تريدين هنا؟ مكان كهذا ليس مناسبًا لكِ."

"أنا... وجدت هذا،" قالت "ليلى" وهي تخرج الخريطة من جيبها. "هل تعرف ما هذا؟"

أخذ "سامي" الخريطة، وبدأ يتفحصها بعينين متيقظتين. كانت ملامح وجهه تتغير، من التجاهل إلى الدهشة، ثم إلى شيء يشبه الأمل الممزوج بالخوف.

"هذه... هذه خريطة والدي،" قال بصوت مختنق. "لقد بحثت عنها منذ سنوات."

"خريطة والدك؟ هل تعرف ما هي؟" سألت "ليلى" بلهفة.

"والدي... كان يتحدث عن "نقطة الالتقاء"، مكان سري عند البحيرة، حيث تبدأ الرحلة. كان يقول إنها مفتاح "الأرض المستحيلة"."

"نقطة الالتقاء؟ وأين هي؟"

نظر "سامي" إلى الخريطة، ثم إلى البحيرة. "الخريطة تشير إلى مكان ما في وسط البحيرة. لكن... لا أحد يستطيع الوصول إلى هناك. المياه هنا عميقة، والتيارات خطيرة. والأسوأ من ذلك، لا أحد يعرف ما الذي يكمن في الأسفل."

"لكنك قلت إنها مفتاح. ربما يمكننا... يمكننا أن نحاول. أنا وأنت." اقترحت "ليلى" بجرأة.

نظر إليها "سامي" بتعجب. "أنتِ؟ أنتِ لا تفهمين. هذا المكان قد دمر عائلتي. والدي ذهب ولم يعد. إنها مجرد أوهام."

"ولكن جدتي تقول إن جدك كان يؤمن بها، وأنك تبدو كوالدك. ربما الشغف نفسه يسري في عروقنا. ربما نحن من يمكنه إكمال الرحلة." قالت "ليلى" وعيناها مليئتان بالإصرار. "هذه ليست مجرد أوهام يا سامي. إنها جزء من تاريخنا. جزء من حلم لم يكتمل."

تنهد "سامي"، ونظر إلى الخريطة مرة أخرى. كان يرى في عيني "ليلى" نفس الشغف الذي كان يراه في عيني والده، نفس الشرارة التي طالما حاول إخمادها في داخله خوفًا من الألم.

"ربما... ربما لديكِ حق،" قال بصوت متردد. "لكن يجب أن نكون حذرين. جدًا جدًا. إذا فشلنا، فقد نخسر أكثر مما نتصور."

"سنكون حذرين،" وعدت "ليلى" بابتسامة خفيفة. "ولكننا سنحاول. معًا."

في تلك اللحظة، بدت "بحيرة الأسرار" وكأنها تحتفظ بأنفاسها، تستمع إلى هذا العهد الجديد. ضباب خفيف بدأ يتصاعد من سطح المياه، ملتفًا حولهما كوشاح غامض. شعرت "ليلى" ببرودة غريبة تخترق عظامها، لم تكن مجرد برودة الطقس، بل كانت برودة اكتشاف، برودة الدخول إلى عالم من الأسرار لم يكن من المفترض لأحد أن يكشفه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%