أرض النجوم المستحيلة
الفصل 4 — شذرات الماضي في ضوء المستقبل
بقلم طارق الحكيم
الفصل 4 — شذرات الماضي في ضوء المستقبل
عند عودتهما إلى القرية، قبل شروق الشمس بالكامل، نجحا في إعادة القارب والمعدات إلى مكانها دون أن يلاحظهما أحد. شعر "سامي" بالارتياح لعودتهما سالمين، لكنه كان يشعر أيضًا بعبء المسؤولية يزداد. كانت القطعة المعدنية الغريبة، التي احتفظ بها في جيب مخفي، تبدو ثقيلة في يده، وكأنها تحمل ثقل تاريخ طال انتظاره.
في منزل جدة "ليلى"، جلستا معًا، والقطعة المعدنية بينهما على الطاولة الخشبية. كانت "ليلى" قد استعارت بعض الكتب القديمة، والجدة "فاطمة" كانت تتفحص الخريطة بعينيها الخبيرتين.
"هذه الرموز... تبدو مألوفة،" قالت الجدة وهي تمرر أصابعها فوق النقوش. "لقد رأيتها في بعض الرسوم القديمة التي تركها جدك. كان مهتمًا باللغات القديمة."
"هل تعرفين ما تعنيه؟" سألت "ليلى" بلهفة.
"ليس تمامًا. كان جدك يقول إنها لغة "الأوائل"، لغة حضارة قديمة اختفت منذ زمن بعيد. كانوا يعتقدون أنهم قادرون على السفر بين النجوم."
"السفر بين النجوم؟" تكررت "ليلى" بتعجب، متذكرة ما قرأته في كتابها. "هل يمكن أن تكون 'الأرض المستحيلة' عالمًا آخر؟"
"من يدري يا عزيزتي. جدك كان يحلم بذلك. كان يعتقد أن هناك تكنولوجيا قديمة، مدفونة في هذه الأرض، يمكن أن تساعدنا على تحقيق ذلك. كان يؤمن بأن هذه المنطقة، حول 'بحيرة الأسرار'، هي مكان ذو طاقة خاصة."
شعر "سامي" بأن خيوط القصة بدأت تتشابك. "والدي كان يقول أشياء مشابهة. كان يتحدث عن 'البوابة'، وعن 'الرموز القديمة' التي تفتحها. ربما كانت هذه القطعة هي المفتاح."
"البوابة؟" سألت الجدة. "هل تعتقد أن 'بحيرة الأسرار' هي بوابة؟"
"ربما ليست البحيرة نفسها، بل ما تحتها، أو ما يكمن خلفها. الخريطة تشير إلى نقطة معينة، والقطعة المعدنية تبدو كجزء من آلية ما."
بينما كانت "ليلى" تتصفح كتب جدها، وقعت عينها على رسم قديم لوالدها. كان رسمًا لـ "ليلى" نفسها وهي طفلة صغيرة، تحمل في يدها شيئًا يشبه القطعة المعدنية التي وجداها. لم تتذكر أن والدها قد رسم لها شيئًا كهذا.
"جدتي، انظري!" قالت "ليلى" وهي تظهر الرسم. "هذا الرسم... هل تتذكرين أن والدي قد رسم لي شيئًا كهذا؟"
نظرت الجدة إلى الرسم، ثم إلى القطعة المعدنية. "نعم، أتذكر. كان والدك يحب أن يرسم لكِ أشياء خيالية. كان يقول إنكِ تحملين روح المستكشف."
"ولكن هذا الرسم يبدو وكأنه يصف هذه القطعة بالضبط. هل يمكن أن يكون والدي قد ترك لنا شيئًا آخر؟ دليلًا؟"
قررت "ليلى" أن تبحث في غرفة والدها القديمة، التي لم يمسها أحد منذ وفاته. كانت الغرفة مليئة بالغبار، والأثاث القديم، ورائحة الماضي. وبينما كانت تبحث في صندوق خشبي قديم، وجدت مجموعة من الأوراق، كانت تبدو وكأنها مذكرات رحلات والدها.
كانت المذكرات مليئة بالرسومات، والملاحظات العلمية، والأفكار الفلسفية. كان والدها باحثًا حقيقيًا، يجمع بين الشغف بالعلم والخيال الجامح. وبين الصفحات، وجدت "ليلى" وصفًا تفصيليًا لما سماه "الحجر المضيء".
"الحجر المضيء؟" قرأت بصوت عالٍ. "وصفه بأنه قطعة معدنية نادرة، قادرة على امتصاص الطاقة من البيئة المحيطة، وإعادة إطلاقها في شكل ضوء أو قوة. كان يعتقد أن هذه القطعة، عند تفعيلها، يمكن أن تكشف عن مسارات مخفية."
"مسارات مخفية؟" قال "سامي" وعيناه تلمعان. "هذا ما نحتاجه! المسار إلى 'الأرض المستحيلة'."
"ولكن كيف نفعّله؟" سألت "ليلى". "المذكرات لا تذكر طريقة واضحة."
"ربما الرموز على القطعة هي المفتاح. إذا استطعنا فهم لغة 'الأوائل'، فقد نتمكن من قراءتها."
عادت الجدة "فاطمة" مرة أخرى إلى كتبها، وأخذت تبحث بين الصفحات المهترئة. "وجدتها!" هتفت فجأة. "هذه الكلمات... إنها تشبه بعض النقوش التي وجدتها في مخطوطة قديمة. إنها تتحدث عن 'التوافق'. عن ضرورة وجود قوتين متكاملتين لفتح 'البوابة'."
"قوتين متكاملتين؟" سأل "سامي". "ماذا تقصدين؟"
"لا أعرف بالتحديد. ربما عنصران، أو شخصان. شيء ما يجب أن يكون متوافقًا."
نظرت "ليلى" إلى "سامي"، ثم إلى القطعة المعدنية. "قوتان متكاملتان... شخصان... ربما نحن؟"
"قد يكون ذلك،" قال "سامي" بتردد. "ربما نحن، مع ما ورثناه من والدينا، وأحلام جدودنا، نشكل هاتين القوتين."
شعرت "ليلى" بمسؤولية هائلة تقع على عاتقها. لم تعد مجرد فتاة تحلم بالنجوم، بل أصبحت جزءًا من عملية قد تكون أقدم من حضارة قريتها. كان عليها أن تتعلم، أن تفهم، وأن تكون قوية.
"علينا أن نعود إلى البحيرة،" قالت "ليلى" بقرار. "علينا أن نحاول تفعيل هذه القطعة، وأن نرى أين تقودنا."
"ولكن كيف؟" سأل "سامي". "لا نملك فكرة واضحة عن كيفية التفعيل."
"ربما عندما نصل إلى 'النقطة'، وعندما نكون معًا، ستحدث الأمور بشكل طبيعي. ربما هي مسألة توقيت، ومكان، وشخصين."
في تلك الليلة، استعدا لرحلتهما الثانية. كانت الأجواء في القرية هادئة، لكن في قلبي "ليلى" و"سامي"، كان هناك عاصفة من الترقب. لقد كشفا عن شذرات من الماضي، والآن كانا على وشك مواجهة المستقبل، على أمل أن يفتح لهما الباب إلى "الأرض المستحيلة".