أرض النجوم المستحيلة
الفصل 8 — المدينةُ الصامتةُ تحتَ سماءٍ غريبة
بقلم طارق الحكيم
الفصل 8 — المدينةُ الصامتةُ تحتَ سماءٍ غريبة
لم يكن الانتقالُ سلسًا. شعرت "ليلى" و"سالم" وكأنهما يمرانِ عبرَ تيارٍ قوي، ثم وجدا نفسيهما يقفانِ على أرضٍ صلبة، لكنها ليست كأي أرضٍ عرفاها. كانت التربةُ بلونِ الرمالِ الفضية، تحتَ سماءٍ غريبةٍ ذاتِ لونٍ بنفسجيٍ داكن، تتلألأ فيها نجومٌ بألوانٍ لم يرها من قبل، بعضها أزرقَ نابض، وبعضها أحمرَ قرمزي.
كان الهواءُ هنا باردًا، لكنه لم يكن منعشًا. كان يحملُ رائحةً غريبة، مزيجًا من المعادنِ غيرِ المعروفةِ ورائحةِ الزهورِ التي لم تُشمَ من قبل. لم يكن هناكَ صوتٌ مسموع، لا رياح، لا حشرات، لا أي شيء. كان صمتًا مطبقًا، كأنما العالمُ هنا يحتفظُ بأنفاسه.
"أينَ نحن؟" همس "سالم"، وعيناهُ تتفحصانِ المكانَ بحذر.
"أعتقدُ أننا وصلنا،" قالت "ليلى"، وهي تمسكُ بالقرصِ المعدنيِ الذي كان لا يزالُ يتوهجُ بضوءٍ خافت. "هذهِ ربما تكونُ "أرضَ النجومِ المستحيلة" التي تحدثَ عنها أبي."
نظرت حولهما. أمامهما، على مسافةٍ ليست بعيدة، بدأت تتشكلُ ملامحُ مدينةٍ ضخمة. أبنيةٌ شاهقةٌ ذاتُ تصميمٍ هندسيٍ معقد، مصنوعةٍ من موادَ شفافةٍ متلألئة، تعكسُ ألوانَ السماءِ الغريبة. لم تكن هناكَ أزقةٌ أو شوارعٌ بالطريقةِ التي يعرفانها، بل كانت هناكَ مساراتٌ متوهجةٌ تربطُ بينَ المباني.
"هذهِ المدينة..." بدأت "ليلى"، ثم سكتت، عاجزةً عن وصفِ ما تراه.
"إنها... مذهلة،" قال "سالم"، "لكنها مخيفةٌ أيضًا. لماذا هي صامتةٌ هكذا؟"
"ربما أهلها... قد رحلوا،" قالت "ليلى" وهي تتذكرُ كلماتِ والدها عن حضاراتٍ قديمة. "أو ربما يعيشونَ بطريقةٍ مختلفة."
قررا التقدمَ بحذرٍ نحو المدينة. كل خطوةٍ كانت تزيدُ من شعورهما بالرهبة. لم يكن هناكَ أي أثرٍ للحياة. لا نباتاتٍ تنمو، لا حيواناتٍ تجري، لا شيء. فقط الأبنيةُ الصامتةُ والسماءُ الغريبة.
وصلا إلى أحدِ المساراتِ المتوهجة. كان المسارُ يضيءُ تحتهما، وكأنهُ يدعوهما للدخول. تبادلا نظراتٍ ثم تقدما. بينما كانا يسيران، بدأت جدرانُ الأبنيةِ من حولهما تتغير. لم تعد مجردَ أسطحٍ جامدة، بل بدأت تظهرُ عليها نقوشٌ متحركة، صورٌ لحضاراتٍ قديمة، لنجومٍ تولدُ وتموت، ولأشكالٍ من الحياةِ لم تخطرْ على بال.
"إنها... كأنها مكتبةٌ حية،" قالت "ليلى" بدهشة. "كل هذهِ الأبنيةِ تسجلُ التاريخ."
"لكن لماذا كل هذا؟" سأل "سالم". "لماذا يخفون هذهِ المعرفة؟"
"ربما لم تكن مخفيةً،" قالت "ليلى"، "ربما لم يكن أحدٌ قادرًا على فهمها. أبي كان يقولُ إن المعرفةَ الحقيقيةَ لا تأتي بالبحثِ السهل، بل بالاستعدادِ لاستقبالها."
وصلا إلى ساحةٍ واسعةٍ في قلبِ المدينة. في وسطِ الساحة، كان هناكَ برجٌ ضخمٌ يرتفعُ نحو السماء، يبدو أنهُ أقدمُ وأكبرُ المباني. على قمةِ البرج، كان هناكَ شيءٌ يتوهجُ بضوءٍ أزرقَ ساطع.
"هذا هو المكان،" قالت "ليلى"، وهي تشعرُ بأن القرصَ في يدها ينبضُ بشكلٍ أقوى. "أبي قال إن قلبَ المدينةِ هو مركزُ طاقتها، ومفتاحُ أسرارها."
بدأت رحلتهما إلى قمةِ البرج. لم يكن هناكَ سلالم، بل كانت هناكَ منصاتٌ متحركةٌ تظهرُ وتختفي، وكأنها تستجيبُ لوجودهما. كان صعودهما أشبهَ بالرقصِ مع المجهول.
عندما وصلا إلى القمة، وجدا غرفةً واسعةً، في وسطها منصةٌ دائريةٌ متوهجة. وفوقَ المنصة، كان هناكَ بلورٌ كبيرٌ يشعُ بضوءٍ أزرقَ قوي، وينبعثُ منهُ صوتٌ خافتٌ كأنهُ ترنيمةٌ كونية.
"هذا هو قلبُ المدينة،" همست "ليلى". "وهذا هو مصدرُ طاقتها. أبي كان يحاولُ الوصولَ إليه."
بينما كانا يقفانِ هناك، بدأ البلورُ يتغير. ظهرت فيهِ صورٌ واضحة: صورٌ لنجومٍ بعيدة، لكواكبَ تدور، ولأشكالٍ من الحياةِ تتطور. ثم، ظهرت صورةٌ لوالدِ "ليلى"، العالمُ "بدر". كان يبدو وكأنهُ يتحدثُ إليهما، لكن دونَ صوت.
"إنهُ يخبرنا شيئًا،" قالت "ليلى". "أعتقدُ أنهُ يخبرنا عن سببِ وجودِ هذهِ المدينة، وعن مصيرِها."
بدأ البلورُ يعرضُ قصةً. قصةَ حضارةٍ قديمةٍ وصلت إلى قمةِ التطور، لكنها أدركت أن التقدمَ الماديَ وحدهُ لا يكفي. لقد سعوا إلى فهمِ أعمقَ للكون، فقاموا ببناءِ هذهِ المدينةِ كمركزٍ للمعرفةِ والطاقة. لكنهم واجهوا تحديًا: كيفَ يمكنُ لهم أن يشاركوا معرفتهم مع الآخرين دونَ أن يتعرضوا للخطر؟
"لقد قرروا أن ينفصلوا عن العالم،" قالت "ليلى"، وهي تفهمُ القصةَ من خلالِ الصور. "لقد بنوا هذهِ البوابةَ، وأصبحوا سُكانَ "أرضِ النجومِ المستحيلة". هدفهم لم يكن الاختباء، بل الحماية. حمايةُ المعرفة، وانتظارُ الوقتِ المناسبِ لمشاركتها."
"إذن، هم ليسوا أشباحًا،" قال "سالم" بارتياح. "إنهم مجردُ... حراس."
"نعم،" أجابت "ليلى". "وحراسٌ ينتظرون من يستحقُ المعرفة."
ثم، ظهرت صورةٌ أخرى في البلور: صورةٌ لقريتهم، "الهدوء". رأوا أهلَ قريتهم، وهم يعانونَ من نقصِ الموارد، ومن الخوفِ من المستقبل.
"أبي كان يريدُ أن يعودَ بهذهِ المعرفةِ ليساعدَ قريتنا،" قالت "ليلى" بدموعٍ تترقرقُ في عينيها. "لقد أدركَ أن القوةَ الحقيقيةَ ليست في العزلة، بل في المشاركةِ والعطاء."
"ولكن إذا شاركنا هذهِ المعرفة، هل سنتعرضُ للخطر؟" سأل "سالم" بقلق.
"أبي كان مؤمنًا بأن الحكمةَ تأتي مع المسؤولية،" قالت "ليلى". "وأن هناكَ دائمًا من يستطيعُ أن يفهمَ ويقدرَ هذهِ الهدايا."
نظرت "ليلى" إلى القرصِ المعدنيِ في يدها. بدأت النقوشُ عليهِ تتوهجُ بضوءٍ أقوى، وكأنهُ يستجيبُ لنيةِ "ليلى".
"علينا أن نجدَ طريقةً لنعودَ،" قالت "ليلى" بحزم. "علينا أن نشارك هذهِ المعرفةَ مع أهلِ قريتنا، وأن نبنيَ جسرًا بينَ عالمنا وعالمهم."
"ولكن كيف؟" سأل "سالم". "هل لدينا ما يكفي لفهمِ كل هذا؟"
"لدينا البداية،" قالت "ليلى"، وهي ترفعُ القرصَ المعدنيَ عالياً. "ولدينا الإرادة. أبي تركَ لنا الطريق، والآنَ حانَ دورنا لنكملَ المسيرة."
في تلكَ اللحظة، بدأ البلورُ في التوهجِ بشكلٍ مكثف، وبدأ صوتُ الترنيمةِ الكونيةِ يزدادُ قوة. شعرت "ليلى" و"سالم" بأن قوةً هائلةً تتجمعُ حولهما، قوةٌ تنبئُ بمستقبلٍ جديد، ومسؤوليةٍ عظيمة.