صدى المدينة الهرمية
الفصل 17 — نداء الأجداد
بقلم بلال الصادق
الفصل 17 — نداء الأجداد
لم يمض وقت طويل على اكتشافهم لمصدر الماء، حتى بدأت النقوش على الصخور الغريبة تلقي بظلالها على تفكيرهم. كان ياسين يقضي ساعات طوال يتفحصها، محاولاً فك رموزها، مقارناً إياها بما وجده في قلعة الأجداد وفي المتاهة البلورية. كانت لينا، من جانبها، تهتم بشؤون زينب، تحاول خلق جو من الاستقرار والأمان لهذه الطفلة التي كانت تجسيداً لماضٍ مفقود.
"أعتقد أن هذه النقوش ليست عشوائية،" قال ياسين ذات مساء، وقد علا وجهه غبار الصحراء. "إنها تشكل تسلسلاً، ولها علاقة مباشرة بالطاقة التي استشعرتها في الهرم. الأمر أشبه بنداء."
"نداء؟" سألت لينا، وهي تنظر إلى زينب التي كانت نائمة بسلام في حضنها. "نداء من؟"
"من الأجداد،" أجاب ياسين بصوت خافت. "أشعر بذلك. يبدو أنهم تركوا لنا دليلاً، طريقة للتواصل معهم، أو ربما لفهم ما حدث حقاً."
تنهدت لينا. "إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أننا ما زلنا في بداية الطريق. رحلتنا لم تنتهِ."
"بل ربما بدأت للتو،" قال ياسين. "هذه النقوش، والطريقة التي تظهر بها في هذا المكان بالذات، بعد أن وجدنا الماء... إنها رسالة. يجب أن نتبعها."
في صباح اليوم التالي، وبعد أن جمعوا مؤونتهم من الماء، قرروا اتباع المسار الذي أشارته النقوش. لم يكن هناك طريق واضح، بل كان عليهم الاعتماد على حدسهم وعلى توجيهات الجهاز القديم الذي اكتشفوه. كانت الشمس تبدأ رحلتها في سماء الصحراء، واعدةً بيوم حار آخر.
كانت زينب، كعادتها، تراقب كل شيء بعينيها الفضوليتين. كلما شعر ياسين ولينا بالحيرة، كانت تبدو وكأنها تفهم شيئاً لا يفهمانه. أحياناً، كانت تشير بيدها الصغيرة إلى اتجاه معين، وكأنها تستجيب لشيء غير مرئي.
"انظر، يا ياسين،" قالت لينا ذات ظهيرة، بينما كانوا يتوقفون للاستراحة. "زينب تشير إلى هناك. هل تعتقدين أن لديها شعوراً بالمكان؟"
نظر ياسين إلى الاتجاه الذي أشارت إليه زينب. كان هناك تكوين صخري غريب، يبدو مختلفاً عن بقية المناظر الطبيعية. "ربما. الأطفال لديهم قدرات غريبة على استشعار الأشياء. دعنا نتحقق."
اقتربوا من التكوين الصخري. كان عبارة عن مجموعة من الصخور الضخمة، المتراصة بطريقة تبدو طبيعية، ولكنها في نفس الوقت كانت تحمل شكلاً منظماً. بينما كانوا يدورون حولها، لاحظ ياسين وجود فتحة صغيرة مخفية بين الصخور.
"هناك شيء هنا،" قال. "يبدو كمدخل."
كان المدخل ضيقاً، بالكاد يكفي لشخص واحد. تردد ياسين للحظة، ثم قال: "سأدخل أولاً، لأتأكد من أنه آمن."
أومأت لينا برأسها، وشعرت بقلبها يخفق بقوة. لم تعد قادرة على تحمل هذا التوتر المستمر.
دخل ياسين الفتحة، وأضاء مصباحه اليدوي. كان الممر ضيقاً ولكنه مستقيم، يؤدي إلى غرفة صغيرة. كانت الغرفة فارغة تقريباً، باستثناء قطعة أثرية واحدة في المنتصف. كانت عبارة عن لوح حجري كبير، مزين بنفس النقوش الغريبة التي رأوها سابقاً.
"لينا، تعالِ!" نادى ياسين.
دخلت لينا، وعندما رأت اللوح الحجري، شعرت بصدمة. كانت النقوش عليه أكثر تفصيلاً ووضوحاً من أي شيء رأوه من قبل.
"هذا هو قلب الرسالة،" قالت لينا بصوت خافت. "هذا هو ما كانوا يحاولون إخبارنا به."
بدأ ياسين في فحص اللوح. كانت النقوش تتكلم عن تاريخ طويل، عن حضارة ازدهرت ثم دمرت. تحدثت عن صراع قديم، عن قوة مدمرة، وعن حاجة ملحة لحماية المعرفة.
"لقد كانت هناك حرب،" قال ياسين. "حرب ضد قوة لا تعرف الرحمة. لقد حاول الأجداد الدفاع عن أنفسهم، وعن هذا العالم. لقد بنوا الهرم، والمتاهة البلورية، وكل هذه التقنيات لحماية شيء ثمين."
"وما هو هذا الشيء الثمين؟" سألت لينا.
"أعتقد أنه... المعرفة،" أجاب ياسين. "المعرفة التي يمكن أن تنقذ العالم، أو تدمره. لقد كانوا خائفين من أن تقع في الأيدي الخطأ."
بدأ اللوح الحجري يتوهج بضوء خافت. ظهرت صور ثلاثية الأبعاد في الهواء فوقه، تصور أحداثاً من الماضي. رأوا مدناً عظيمة، ورأوا أسلحة غريبة، ورأوا ظلاماً يلتهم كل شيء.
"هذا مروع،" قالت لينا، وعيناها مليئتان بالدموع. "لم أتخيل أبداً أن تكون الأمور بهذا السوء."
"لقد تضحى الأجداد بالكثير،" قال ياسين. "لقد تركوا كل شيء وراءهم، ليخفوا هذه المعرفة، ويحموا البشرية من تكرار هذا الخطأ."
فجأة، ظهرت صورة في منتصف الصور المعروضة. كانت صورة لشخصية تشبه "زينب"، ولكنها أكبر سناً، وتحمل صولجاناً متوهجاً. كانت الصورة تومض، ثم اختفت.
"زينب؟" تساءلت لينا. "ما علاقة زينب بهذا كله؟"
"أعتقد أن هذه الرسالة لم تكن موجهة لنا فقط،" قال ياسين. "بل كانت موجهة إلى من سيأتي بعدنا. إلى من يحمل الأمل. ربما تكون زينب هي مفتاح كل هذا."
كانت فكرة أن تكون زينب جزءاً من هذا اللغز القديم أمراً مربكاً، لكنه في نفس الوقت كان يمنحهم دافعاً جديداً. لم يكونوا مجرد مستكشفين، بل كانوا حراس مستقبل.
"يجب أن نعود إلى الهرم،" قال ياسين. "يجب أن نجد طريقة لفك شفرة الهرم بالكامل، وأن نفهم ما هي هذه القوة التي حاربها الأجداد."
"لكن كيف؟" سألت لينا. "لقد استنزفنا كل ما لدينا."
"أعتقد أن هذا اللوح الحجري هو المفتاح،" قال ياسين. "ربما يمكننا استخدامه للتواصل مع الهرم، أو لفتح أجزاء منه لم نتمكن من الوصول إليها من قبل."
حاول ياسين وضع اللوح الحجري في الجهاز الذي وجده، لكنه لم يحدث شيئاً. ثم حاول وضعه على الأرض، لكنه لم يتفاعل.
"ربما يحتاج إلى طاقة خاصة،" قالت لينا.
"أو ربما يحتاج إلى... لمسة معينة،" قال ياسين، وهو ينظر إلى زينب. "زينب، هل يمكنكِ المجيء هنا؟"
اقتربت زينب، وهي تنظر إلى اللوح بعينين متسائلتين. وضع ياسين يدها الصغيرة على النقوش. في اللحظة التي لمست فيها زينب السطح، بدأ اللوح يتوهج بقوة أكبر. بدأت النقوش تضيء، وانبعث منها ضوء أزرق غامق.
"إنها تستجيب لها!" قالت لينا بدهشة.
"إنها النداء،" همس ياسين. "نداء الأجداد. زينب هي مفتاحهم."
بدأ ضوء اللوح الحجري يزداد، وبدأت الغرفة كلها تهتز. شعروا بقوة غريبة تتصاعد، قوة قديمة وعظيمة. كانوا على وشك اكتشاف شيء يفوق خيالهم، شيء سيغير كل شيء.