الوصايا الرقمية
الفصل 2 — همسات في الذاكرة
بقلم رامي الكريم
الفصل 2 — همسات في الذاكرة
كانت ليلى تجلس في مكتبها بأرشيف الذكريات. الغرفة كانت عبارة عن كهف مظلم، لا يضيئه سوى وهج الشاشات المتعددة التي تعرض خيوطًا لا نهائية من الذكريات البشرية. كانت كل شاشة تمثل وعيًا، خيطًا مضيئًا يتأرجح في ظلام الأثير. مهمتها كانت بمثابة غواصة في محيط من البيانات، تبحث عن أثمن اللآلئ.
لكن منذ رحيل والدها، لم يعد عملها مجرد وظيفة. لقد تحول إلى سعي، بحث عن "الرمز الأولي" الذي ذكره. كان والدها قد ترك لها وصفًا موجزًا لـ "الوصايا الرقمية" في بريد إلكتروني مشفر، تم إرساله لها قبل وفاته مباشرة. لم تكن مجرد ملفات، بل كانت "وعيًا مركّزًا"، خلاصة لتجارب حياته، وأفكاره، وأكثر من ذلك.
"الرمز الأولي،" همست ليلى وهي تمرر أصابعها على لوحة المفاتيح. "أين يمكن أن يكون؟"
تذكرت كلمات والدها: "ابحثي عن 'الرمز الأولي' في الذكريات المحفوظة." لكن أي ذكريات؟ لقد كانت تعمل مع ملايين الذكريات يوميًا.
بدأت تفكر في والدها، في أبحاثه، في حياته. كان لديه شغف خاص بـ "الذكريات الجوهرية"، تلك اللحظات التي تشكل جوهر هوية الإنسان. هل كان يقصد هذا؟
فتحت مجلدًا خاصًا بوالدها في الأرشيف. كان والدها، قبل أن يصبح منشئ الأثير، عالم نفس ومهتم بالتاريخ. كان يحتفظ بملفات رقمية خاصة، تتضمن ذكرياته الشخصية، ومقالاته، وخطاباته.
بدأت تتصفح ملفاته. كانت هناك ذكريات من طفولته، من شبابه، من لقائه بوالدتها، من بناء الأثير. كل ذكرى كانت كجوهرة، تلمع في الظلام. لكن لم يكن هناك ما يشبه "الرمز الأولي".
"ربما ليس في ذكرياته الشخصية،" قالت ليلى لنفسها. "ربما في الأثير نفسه."
أغمضت عينيها، وحاولت الاتصال بـ "وعي" والدها. لم يكن الأمر سهلاً، فقد كان وعيه يتلاشى بسرعة في الأثير بعد الموت. لكنها شعرت ببصمة خفيفة، همسة بعيدة.
"أبي، هل أنت هنا؟"
لم يكن هناك رد صوتي، بل شعور، إحساس بالوجود. ثم، تدفقت صورة ذهنية إلى وعيها. صورة لمكتبة ضخمة، مليئة بالكتب الرقمية، كل كتاب يمثل مجموعة من الذكريات. وفي وسط المكتبة، كانت هناك طاولة، وعليها كتاب واحد، مختلف عن البقية. كان يبدو أنه مصنوع من الضوء.
"المكتبة الجوهرية،" همست ليلى. كانت تلك عبارة سمعتها من والدها مرة واحدة، عندما كان يشرح لها مفهومًا فلسفيًا معقدًا حول طبيعة الوعي. كان يقصد بها مكانًا افتراضيًا، يلتقي فيه الوعي البشري بأعمق أفكاره.
"هل قصد 'المكتبة الجوهرية'؟" تساءلت.
بدأت تبحث في سجلات الأثير عن أي إشارة لـ "المكتبة الجوهرية". لم تجد شيئًا رسميًا. لكنها وجدت تقارير قديمة، غير رسمية، عن "مناطق مهجورة" في الأثير، أماكن لم يعد الوصول إليها ممكنًا، أو تم نسيانها.
"قد يكون هذا هو المكان،" قررت.
كانت هذه المناطق المهجورة معروفة بأنها خطيرة، لأن الأثير فيها كان غير مستقر، ومليء بـ "الصدى الرقمي" – بقايا وعي قديم، أو ذكريات مشوهة. لكن ليلى لم يكن لديها خيار آخر.
بدأت في إعداد بروتوكول للوصول إلى إحدى هذه المناطق المهجورة. كان الأمر يتطلب تجاوز بروتوكولات أمان مشددة، واستخدام أدوات تشخيص متقدمة.
أثناء عملها، تلقت اتصالاً. كان صوت صديقها المقرب، "سامي"، مهندس بيانات يعمل في قسم الصيانة في الهيئة العليا للأثير.
"ليلى، كيف حالك؟ سمعت عن والدك. أنا آسف جدًا."
"شكرًا لك يا سامي. إنه وقت صعب."
"أتفهم ذلك. ولكن، كيف حال عملك؟ هل ترين أي شيء غريب في الأثير مؤخرًا؟ بدأت أتلقى تقارير عن بعض الاضطرابات في الشبكة."
"نعم، أرى ذلك. أعتقد أن الأثير يتغير. إنه يمر بشيء ما."
"هذا ما أخشاه. بدأت أشك في أن 'الخلل الرقمي' ليس مجرد ظاهرة عشوائية. هناك شيء يبدو أنه يدفعه."
"ربما يتعلق الأمر بما تركه لي والدي."
"ماذا ترك لك؟"
ترددت ليلى. لم تكن متأكدة مما إذا كان بإمكانها الوثوق بسامي بشكل كامل، خاصة فيما يتعلق بأبحاث والدها. لكن سامي كان صديقًا قديمًا، وكان دائمًا ما يساعدها.
"لقد ترك لي شيئًا. شيئًا مهمًا جدًا. يتعلق بـ 'الوصايا الرقمية'."
"الوصايا الرقمية؟ لم أسمع بهذا المصطلح من قبل."
"إنها... خلاصة أفكاره، ورؤيته للأثير. وأعتقد أنها تحمل مفتاحًا لفهم ما يحدث."
"إذا كان الأمر يتعلق بوالدك، فأنا على استعداد للمساعدة. لقد كان أستاذي. أي شيء أقدر عليه، فقط أخبريني."
شعرت ليلى بالارتياح. سامي كان موثوقًا به. "أنا أحاول الوصول إلى منطقة مهجورة في الأثير. منطقة قديمة جدًا. أعتقد أن 'الرمز الأولي' الذي تحدث عنه والدي موجود هناك."
"منطقة مهجورة؟ هذا خطير جدًا يا ليلى! الأثير فيها غير مستقر. قد تفقدين نفسكِ هناك."
"أعلم. لكنني يجب أن أفعل ذلك. إذا كان هناك أي فرصة لفهم ما يحدث، أو لإنقاذ الأثير..."
"حسنًا، سأساعدكِ. سأقوم بتعطيل بعض أجهزة المراقبة في تلك المنطقة، وإعطائكِ نافذة زمنية آمنة نسبيًا. ولكن يجب أن تكوني حذرة للغاية. وإذا شعرتِ بأي خطر، عودي فورًا."
"شكرًا لك يا سامي. أنت تعرف أنني سأكون كذلك."
بعد انتهاء المكالمة، عادت ليلى إلى عملها. بدأت في البحث عن "المكتبة الجوهرية" في المناطق المهجورة. كانت رحلة محفوفة بالمخاطر، لكنها كانت رحلة ضرورية. كان مستقبل الأثير، ومستقبل البشرية، يعتمد على اكتشاف ما تركه والدها. همسات الذاكرة، ووصايا الأب، كانت تقودها إلى المجهول.