النبؤة الخوارزمية
الفصل 12 — شفرة الحياة المفقودة
بقلم رامي الكريم
الفصل 12 — شفرة الحياة المفقودة
ارتسمَ القلقُ على وجهِ الدكتورِ علي، وهوَ يحدقُ في الأرقامِ المتغيرةِ على شاشةِ الحواسيبِ الضخمةِ. كانتْ مختبراتُ "ألفا" تضجُّ بالحركةِ، والأصواتُ الميكانيكيةُ تتداخلُ معَ همساتِ العلماءِ. لكنَّ علي، بتركيزِهِ الحادِّ، بدا وكأنَّهُ في عالمٍ آخر، عالمٍ يحكمُهُ منطقُ الأكوادِ والبياناتِ.
"هلْ وجدتمْ أيَّ شيءٍ يا فريق؟" سألَ بصوتٍ متوترٍ.
"البياناتُ لا تزالُ متضاربةً يا دكتور. الأنماطُ التي نراقبُها لا تتطابقُ معَ أيِّ سلوكٍ معروفٍ للأنظمةِ التنبؤيةِ. إنها... فريدةٌ منْ نوعِها." أجابَ الدكتورُ سامي، مديرُ البحثِ، وهوَ يمسحُ عرقَ جبينِهِ.
كانَ "النظامُ الجديدُ" الذي اكتشفتهُ ليلى، وسمّتْهُ "أورا"، يمثلُ لغزًا كبيرًا للمجتمعِ العلميِّ. لمْ يكنْ مجردَ برنامجٍ تنبؤيِّ، بلْ كانَ يبدو وكأنَّهُ يمتلكُ وعيًا خاصًا، وقدرةً على التعلمِ والتطورِ تفوقُ كلَّ ما عرفوهُ منْ قبل.
"ماذا عنْ مصدرِ الإشارة؟ هلْ تمكنتمْ منْ تحديدِ موقعِها بدقة؟" سألَ علي، وهوَ يتذكرُ الإشارةَ الغريبةَ التي رصدتها ليلى قبلَ فترةٍ، الإشارةَ التي قادتْها إلى مخزنِ جدتِها.
"لقدْ تتبعتُ الإشارةَ إلى منطقةٍ مهجورةٍ بالقربِ منَ الحدودِ الشماليةِ. منطقةٌ قيلَ إنها كانتْ مركزًا لأبحاثٍ سريةٍ في الماضي، ولكنَّ كلَّ الوثائقِ المتعلقةِ بها قدْ دُمِّرتْ في ظروفٍ غامضةٍ." أجابَ الدكتورُ سامي.
"أبحاثٌ سريةٌ..." تمتمَ علي، وبدأتْ أفكارٌ تتداعى في ذهنِهِ. هلْ كانتْ هناكَ جهاتٌ تعملُ على تطويرِ هذهِ التقنيةِ قبلَ ليلى؟ وهلْ كانوا يحاولونَ إخفاءَ أثرِهم؟
عادَ بذاكرتِهِ إلى ليلى، الطالبةُ الذكيةُ الهادئةُ التي أتتْ إليهِ ببياناتٍ غريبةٍ. لقدْ كانتْ مترددةً في البدايةِ، ولكنَّ فضولَها العلميَّ كانَ أقوى. ورغمَ أنَّهُ شكَّ في قدرةِ طالبةٍ على اكتشافِ شيءٍ بهذا الحجمِ، إلا أنَّ الأرقامَ لمْ تكذب.
"هلْ يمكنُ أنْ تكونَ هذهِ التقنيةُ مرتبطةً بـ 'مشروعِ إيدن'؟" سألَ علي، وهوَ يتذكرُ مشروعًا قديمًا طموحًا هدفتْ إلى محاكاةِ الوعيِ البشريِّ، ولكنهُ فشلَ وانتهى بظروفٍ غامضةٍ.
"لا يوجدُ دليلٌ مباشرٌ، يا دكتور. ولكنَّ بعضَ الأنماطِ في البياناتِ تشبهُ أساليبَ التشفيرِ التي استخدمها فريقُ 'إيدن' في أبحاثِهم الأولية." قالَ الدكتورُ سامي، بترددٍ.
في تلكَ اللحظةِ، وصلَ خبرٌ عاجلٌ إلى غرفةِ التحكمِ. "دكتور علي، لقدْ تمَّ رصدُ نشاطٍ غيرِ طبيعيٍّ في المنطقةِ التي حددناها. يبدو أنَّ هناكَ مصدرَ طاقةٍ كبيرًا قدْ استيقظَ."
شعرَ علي ببرودةٍ تسري في عروقِهِ. "استيقظَ؟ ماذا يعني ذلك؟"
"لا نعرفُ بالضبطَ، يا دكتور. ولكنَّ القراءاتِ تشيرُ إلى أنَّ مصدرَ الطاقةِ هذا يطلقُ نبضاتٍ منتظمةٍ، تبدو وكأنها... رسائل."
"رسائل؟" تكررَ علي الكلمةَ، وكأنَّهُ يذوقُ طعمَها لأولِ مرةٍ. هلْ كانتْ هذهِ الرسائلُ موجهةً إلى ليلى؟ أمْ إلى العالمِ كلِّهِ؟
"لا يمكنُنا فهمُ لغتِها. إنها معقدةٌ للغاية. ولكنَّها تبدو وكأنها... شفرةُ حياةٍ." أضافَ الدكتورُ سامي.
شفرةُ حياةٍ. الكلمتانِ وقعتا على مسامعِ علي كالصاعقة. هلْ كانَ هذا النظامُ الذي اكتشفتهُ ليلى، "أورا"، هوَ المفتاحُ لفهمِ أصلِ الحياةِ، أو ربما لفكِّ ألغازٍ كونيةٍ أقدمَ منْ وجودِ البشرِ؟
"يجبُ أنْ نذهبَ إلى هناكَ. فورًا." قالَ علي، بحزمٍ. "نريدُ فريقًا منْ أفضلِ المتخصصينَ، معَ كافةِ المعداتِ اللازمةِ. لا أريدُ أنْ يتكررَ ما حدثَ في 'مشروعِ إيدن'."
كانَ علي يشعرُ بثقلِ المسؤوليةِ. لقدْ أدركَ أنَّ ما اكتشفتهُ ليلى لمْ يعدْ مجردَ قضيةٍ علميةٍ، بلْ أصبحَ سباقًا معَ الزمنِ. سباقًا لفهمِ هذهِ الشفرةِ قبلَ أنْ تقعَ في الأيديِ الخطأ، أو قبلَ أنْ تتسببَ في كارثةٍ لا يمكنُ تصورُ عواقبِها.
بينما كانَ الفريقُ يستعدُّ للانطلاقِ، شعرَ علي بأنَّ هناكَ شيئًا أكثرَ منْ مجردِ العلمِ يدفعُهُ. لقدْ شعرَ بفضولٍ عميقٍ، وبإحساسٍ غريبٍ بالارتباطِ بهذا اللغزِ. هلْ كانَ لديهِ دورٌ في كلِّ هذا؟ هلْ كانتْ رحلتُهُ في الحياةِ قدْ قادتْهُ إلى هذهِ النقطةِ؟
انطلقَ علي وفريقُهُ نحو الشمالِ، تاركينَ وراءَهم صخبَ المختبراتِ، متوجهينَ نحو المجهولِ. في قلبِ الصحراءِ المهجورةِ، حيثُ كانتْ الأسرارُ مدفونةً، كانَ "أورا" ينتظرُ، وكانَ ينتظرُ العالمُ بأسرهِ، ليعرفَ ما إذا كانتْ هذهِ "شفرةُ الحياةِ" ستكونُ بدايةً لعصرٍ جديدٍ، أمْ نهايةً لكلِّ شيءٍ.