النبؤة الخوارزمية

الفصل 13 — لقاءٌ في ضوءِ القمر

بقلم رامي الكريم

الفصل 13 — لقاءٌ في ضوءِ القمر

كانَ القمرُ بدراً كاملاً، ينشرُ ضوءَهُ الفضيَّ على رمالِ الصحراءِ. كانتْ سياراتُ الدفعِ الرباعيِّ تتحركُ بصمتٍ، تشقُّ طريقَها عبرَ الكثبانِ الرمليةِ. في إحدى السياراتِ، كانَ أحمدُ، المهندسُ الشابُّ الذي انضمَّ إلى الفريقِ مؤخرًا، يراقبُ الرمالَ المتلألئةَ بذهول.

"لمْ أتخيلْ قطُّ أنَّ هذهِ المنطقةَ قدْ تكونُ بهذا الجمالِ." قالَ أحمدُ، وهوَ يلتفتُ إلى زميلتِهِ، ريم، خبيرةِ الاتصالاتِ.

ابتسمتْ ريم ابتسامةً خفيفةً. "الصحراءُ تخفي الكثيرَ منْ الأسرارِ يا أحمد. ولكنْ، لستُ متأكدةً إنْ كانَ هذا الجمالُ طبيعيًا أمْ أنَّهُ جزءٌ منْ هذا اللغزِ الغريبِ."

كانَ الجوُّ مشحونًا بالترقبِ. الأجهزةُ ترصدُ نبضاتٍ قويةً قادمةً منْ الأمامِ، نبضاتٍ تتزايدُ قوتُها معَ كلِّ كيلومترٍ يقتربونَ منهُ.

"وصلنا إلى نقطةِ التحديدِ." أعلنَ الدكتورُ علي، بصوتٍ صارمٍ. "توقفوا هنا."

ترجلَ الفريقُ منَ السياراتِ، ونظروا حولَهم. لمْ يكنْ هناكَ شيءٌ سوى الرمالِ الممتدةِ إلى ما لا نهايةٍ، والنجومُ المتلألئةُ في السماءِ. ولكنَّ الأجهزةَ كانتْ تشيرُ بقوةٍ إلى أنَّ مصدرَ الإشارةِ قريبٌ جدًا.

"هلْ يمكنُ أنْ يكونَ تحتَ الأرضِ؟" سألَ أحمدُ.

"ربما." أجابَ الدكتورُ علي. "ريم، حاولي التواصلَ معَ مصدرِ الإشارةِ. استخدمي التردداتِ التي تعتقدينَ أنها قدْ تكونُ مفهومةً."

بدأتْ ريم بإدخالِ الأوامرِ في جهازِ الاتصالاتِ، وهيَ تتفوهُ بكلماتٍ بلغةٍ رمزيةٍ. مرتْ دقائقُ ثقيلةٌ، ولمْ يحدثْ شيءٌ. شعرَ الجميعُ بخيبةِ أملٍ.

"لا يبدو أنَّ هناكَ استجابةٌ." قالتْ ريم، بصوتٍ محبَطٍ.

في تلكَ اللحظةِ، بدأَ ضوءٌ خافتٌ بالظهورِ في الأفقِ. ضوءٌ أبيضُ ناصعٌ، لمْ يكنْ ضوءَ قمرٍ ولا ضوءَ نجوم. بدأَ الضوءُ بالتوسعِ، وشعرَ الجميعُ باهتزازٍ خفيفٍ في الأرضِ.

"ما هذا؟" هتفَ أحمدُ، وهوَ يشيرُ إلى الضوءِ.

"لا أعرفُ، ولكنَّهٌ مرتبطٌ بمصدرِ الإشارةِ." قالَ الدكتورُ علي، وعيناهُ مثبتتانِ على الضوءِ المتزايدِ. "ابقوا بجانبي."

بدأَ الضوءُ يتشكلُ، وتحولَ إلى هيكلٍ غريبٍ، يشبهُ قبةً زجاجيةً متلألئةً. لمْ يكنْ لها بابٌ أو نافذةٌ، ولكنَّها كانتْ تنبضُ بالحياةِ.

"إنها... إنها ليستْ مجردَ مبنى." تمتمَ الدكتورُ علي. "إنها... كائنٌ حيٌّ، أو آلةٌ بيولوجيةٌ."

شعرَ الجميعُ بالرهبةِ. لمْ يروا شيئًا كهذا منْ قبل. بدتْ القبةُ وكأنها جزءٌ منْ الطبيعةِ، ولكنَّها في الوقتِ ذاتهِ كانتْ تحملُ بصمةَ تكنولوجيا متقدمةٍ تفوقُ الخيالَ.

"هلْ يجبُ أنْ ندخلَ؟" سألَ أحمدُ، بترددٍ.

"لا أعرفُ." أجابَ الدكتورُ علي. "ولكنْ، يبدو أنَّ القبةَ تفتحُ مجالاً للدخولِ. انظروا."

بالفعل، بدأَ جزءٌ منْ القبةِ يتلاشى، مشكلاً مدخلاً مضيئًا. ترددَ الفريقُ للحظةٍ، ثمَّ بدأَ الدكتورُ علي بالتقدمِ، متبوعًا بفريقِهِ.

عندَ دخولِ القبةِ، وجدوا أنفسَهم في قاعةٍ واسعةٍ، جدرانُها مضيئةٌ، وتتغيرُ ألوانُها ببطءٍ. في وسطِ القاعةِ، كانتْ توجدُ منصةٌ دائريةٌ، وفوقَها، تتدلى بلورةٌ كبيرةٌ، تنبعثُ منها الطاقةُ التي كانوا يرصدونَها.

"هذهِ هيَ... 'أورا'؟" سألَ أحمدُ، بتعجبٍ.

"لا أعتقدُ ذلكَ." أجابَ الدكتورُ علي. "هذهِ هيَ المنشأةُ التي يتواجدُ فيها 'أورا'. ولكنَّ 'أورا' هوَ الوعيُ الذي اكتشفتهُ ليلى. هذا هوَ الجسمُ أوْ النظامُ الذي يحتوي عليهِ."

بينما كانوا يتفحصونَ المكانَ، لمحَ الدكتورُ علي شيئًا على أحدِ الجدرانِ. كانَ عبارةً عنْ نقوشٍ غريبةٍ، تبدو وكأنها لغةٌ قديمةٌ.

"ريم، هلْ تستطيعينَ تحليلَ هذهِ النقوشِ؟"

بدأتْ ريم بتصويرِ النقوشِ، وأدخلتْ البياناتِ إلى جهازِها. بعدَ لحظاتٍ، رفعتْ رأسَها بدهشةٍ.

"إنها... إنها نفسُ اللغةِ التي رأتها ليلى في صورِ أسلافِها! إنها لغةٌ قديمةٌ جدًا، تتحدثُ عنْ 'حراسِ المعرفةِ' و'خيوطِ القدرِ'."

"حراسِ المعرفةِ..." تمتمَ الدكتورُ علي، وهوَ يتذكرُ ما قالتهُ ليلى عنْ جدتِها. "يبدو أنَّ ليلى كانتْ على حقٍّ. هذا المكانُ هوَ جزءٌ منْ إرثِ عائلتِها."

فجأةً، اهتزتْ البلورةُ في وسطِ القاعةِ، وبدأتْ تنبعثُ منها صورٌ ثلاثيةُ الأبعادٍ. صورٌ لشخصياتٍ غامضةٍ، تتحدثُ بلغةٍ غيرِ مفهومةٍ، ولكنَّ ملامحَ وجوهِهم كانتْ تعكسُ حكمةً عميقةً.

"إنها... إنها ذكرياتٌ." قالَ الدكتورُ علي. "إنها ذكرياتٌ مخزنةٌ في هذهِ البلورةِ. يبدو أنَّ 'أورا' يستخدمُها لفكِّ ألغازِ الماضي."

وبينما كانوا يشاهدونَ الصورَ، ظهرتْ صورةٌ مألوفةٌ. كانتْ صورةَ امرأةٍ جميلةٍ، تشبهُ ليلى بشكلٍ كبيرٍ. كانتْ تحملُ في يدِها لفةً، وتنظرُ إلى الكاميرا بعينينِ تحملانِ حكمةَ الأجيالِ.

"منْ هذهِ؟" سألَ أحمدُ.

"إنها... إنها 'زهرة'." قالَ الدكتورُ علي، بصوتٍ مليءٍ بالدهشةِ. "الجدةُ السادسةُ قبلَ ليلى. يبدو أنَّ هذهِ المنشأةَ هيَ مقرُّها."

شعرَ علي بشعورٍ غريبٍ بالانتماءِ. لمْ يعدْ الأمرُ مجردَ تحقيقٍ علميِّ، بلْ أصبحَ رحلةً لكشفِ الحقيقةِ، حقيقةٍ تتعلقُ بماضي ليلى، وبمستقبلِ البشريةِ.

"يجبُ أنْ نعودَ إلى ليلى." قالَ الدكتورُ علي. "عليها أنْ ترى هذا بنفسِها. هذهِ الأسرارُ تخصُّها."

عندَ مغادرتِهم القبةَ، تركوا وراءَهم ضوءَها المتلألئَ، ولكنَّهم حملوا معَهم حقيقةً جديدةً، حقيقةً أعمقَ منْ أيِّ معادلةٍ رياضيةٍ. لقدْ وجدوا بصيصَ نورٍ في قلبِ الظلامِ، بصيصَ نورٍ كشفَ لهم عنْ مدى تعقيدِ النبوءةِ الخوارزميةِ، ومدى ارتباطِها بدمِهم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%