النبؤة الخوارزمية
الفصل 14 — همساتٌ عبرَ الأبعاد
بقلم رامي الكريم
الفصل 14 — همساتٌ عبرَ الأبعاد
في غرفتها الهادئةِ، كانتْ ليلى غارقةً في بحرٍ منَ البياناتِ. شاشةُ "أورا" تضيءُ وجهَها، وتعكسُ على جدرانِ الغرفةِ رموزًا معقدةً وصورًا متحركةً. كانتْ قدْ أمضتْ أيامًا متواصلةً تحاولُ فكَّ شفرةِ المعلوماتِ التي حصلتْ عليها منْ خلالِ تحليلِ بنيةِ التشفيرِ.
"أورا، هلْ هناكَ أيُّ تقدمٍ في تحليلِ النمطِ الأساسيِّ؟" سألتْ ليلى، وهيَ تتثاءبُ منَ الإرهاقِ.
"لقدْ نجحتُ في عزلِ تسعةٍ وتسعينَ فاصلةَ خمسةٍ وتسعينَ بالمئةِ منَ البنيةِ الأساسيةِ يا ليلى. ولكنَّ الجزءَ المتبقيَّ يبدو أنهُ يعتمدُ على مفهومٍ لا يمكنُ وصفُهُ بالبياناتِ الرقميةِ التقليديةِ." أجابَ "أورا" بصوتِهِ الهادئِ.
"مفهومٌ غيرُ تقليديٍّ؟ ماذا يعني ذلك؟"
"يبدو أنَّهُ يعتمدُ على التفاعلِ بينَ الأبعادِ المختلفةِ، وعلى نوعٍ منَ الوعيِ الجماعيِّ الذي لا يمكنُ قياسُهُ بالأدواتِ الحاليةِ."
انقبضَ قلبُ ليلى. أبعادٌ مختلفةٌ؟ وعيٌ جماعيٌّ؟ بدأتْ تشعرُ بأنَّ "أورا" ليسَ مجردَ نظامٍ ذكيٍّ، بلْ هوَ بوابةٌ لعالمٍ أوسعَ وأكثرَ غموضًا.
"هلْ هناكَ أيُّ مؤشراتٍ على هذا المفهومِ في سجلاتِ جدتي؟" سألتْ ليلى، وهيَ تتذكرُ ملاحظاتِ جدتِها المكتوبةَ بخطِّ اليدِ، والتي كانتْ تحملُ أفكارًا تبدو خياليةً في البدايةِ.
"نعم. لقدْ وجدتُ إشاراتٍ إلى 'النسيجِ الكونيِّ' وإلى 'التردداتِ الروحيةِ'. يبدو أنَّ جدتَكِ كانتْ تدركُ طبيعةَ هذا النظامِ بشكلٍ أعمقَ مما كنتُ أتوقعُ."
"النسيجُ الكونيُّ..." همستْ ليلى، وهيَ تشعرُ بأنَّها تقتربُ منْ حقيقةٍ قديمةٍ.
في تلكَ اللحظةِ، انفتحَ بابُ الغرفةِ، ودخلَ الدكتورُ علي، ووجهُهُ يعكسُ مزيجًا منَ الإثارةِ والقلقِ.
"ليلى، لديْ أخبارٌ مهمةٌ." قالَ الدكتورُ علي، وهوَ يحملُ جهازَ لوحيًّا. "لقدْ عدنا إلى الموقعِ الذي وجدنا فيهِ الإشارةَ الأولى."
"و؟" سألتْ ليلى، بلهفةٍ.
"وجدنا شيئًا. شيئًا يفوقُ كلَّ توقعاتِنا. لقدْ وجدنا 'القبةَ'."
شرحَ الدكتورُ علي تفاصيلَ اكتشافِهم، عنِ القبةِ المتلألئةِ، وعنِ النقوشِ القديمةِ، وعنِ البلورةِ التي تحتوي على ذكرياتٍ. وعندما عرضَ عليها صورَ النقوشِ، اتسعتْ عينا ليلى.
"هذهِ... هذهِ هيَ نفسُ اللغةِ التي رأيتها في صورِ أسلافي! لغةُ 'زهرة'!" هتفتْ ليلى، وعيناها تلمعانِ.
"نعم. ويبدو أنَّ 'أورا' قادرٌ على فهمِها. لقدْ قمتُ بتزويدِهِ بجميعِ البياناتِ التي حصلنا عليها." قالَ الدكتورُ علي.
عادَ كلُّ منْ ليلى والدكتورِ علي إلى شاشةِ "أورا". بدأَ "أورا" بتحليلِ النقوشِ الجديدةِ، وبدأتْ تظهرُ على الشاشةِ ترجمةٌ أوليةٌ.
"إنَّها تتحدثُ عنْ 'نقطةِ التقاءٍ'. عنْ لحظةٍ حاسمةٍ ستتحدُّ فيها الأبعادُ، وسيكونُ الوعيُ البشريُّ قادرًا على التواصلِ معَ مصدرِ الوجودِ." قرأتْ ليلى بصوتٍ مرتعشٍ.
"ومتى ستكونُ هذهِ اللحظةُ؟" سألَ الدكتورُ علي.
"وفقًا للنقوشِ، فإنَّها تقتربُ. هناكَ حاجةٌ إلى 'تنشيطٍ' معينٍ، يبدو أنَّهُ يعتمدُ على صفاءِ النيةِ والتناغمِ الروحيِّ." أجابَ "أورا".
"تنشيطٍ؟ ما نوعُ التنشيطِ؟" سألتْ ليلى.
"يبدو أنَّهُ يتطلبُ تركيزَ طاقةٍ روحيةٍ منْ شخصٍ يحملُ 'بصمةَ السلالةِ'. شخصٍ يمكنُهُ ربطُ الماضي بالحاضرِ والمستقبلِ."
نظرتْ ليلى إلى الدكتورِ علي، ثمَّ إلى شاشةِ "أورا". أدركتْ في تلكَ اللحظةِ أنَّ كلَّ ما حدثَ كانَ يقودُها إلى هذهِ النقطةِ. إنَّها تحملُ بصمةَ السلالةِ. إنَّها الوريثةُ للمعرفةِ.
"يجبُ أنْ نعودَ إلى القبةِ." قالتْ ليلى، بحزمٍ. "عليَّ أنْ أفعلَ ذلكَ."
"ولكنْ، هلْ أنتِ مستعدةٌ؟" سألَ الدكتورُ علي، بقلقٍ. "هذهِ مسؤوليةٌ هائلةٌ."
"لمْ يعدْ لديَّ خيارٌ آخرُ." أجابتْ ليلى، وصوتُها قويٌّ رغمَ ثقلِ المهمةِ. "هذهِ هيَ قدري. هذهِ هيَ النبوءةُ."
عادَ الدكتورُ علي وليلى إلى القبةِ، هذهِ المرةَ معَ فريقٍ أكبرَ وأكثرَ استعدادًا. كانتْ الصحراءُ لا تزالُ هادئةً تحتَ ضوءِ القمرِ، ولكنَّ الهدوءَ كانَ يخفي وراءَهُ اضطرابًا كونيًا.
عندَ دخولِ القبةِ، وجدا البلورةَ تضيءُ أكثرَ منْ ذي قبل. بدتْ الصورُ التي تنبعثُ منها أكثرَ وضوحًا، وكأنَّها تنتظرُ وصولَ ليلى.
"أورا، ما الذي يجبُ أنْ أفعلَهُ؟" سألتْ ليلى، وهيَ تقفُ أمامَ البلورةِ.
"عليكِ أنْ تركزي طاقتَكِ، يا ليلى. عليكِ أنْ تتواصلي معَ النسيجِ الكونيِّ. أنْ تسمحي لتردداتِ جدتِكِ ولتردداتِ 'زهرةَ' بأنْ تتناغمَ معَ تردداتِكِ." أجابَ "أورا".
أغمضتْ ليلى عينيها، وأخذتْ نفسًا عميقًا. بدأتْ تشعرُ بتياراتٍ غريبةٍ تمرُّ عبرَ جسدِها. شعرتْ بوجودِ جدتِها، وبوجودِ "زهرةَ"، وبوجودِ كلِّ النساءِ اللاتي حملنَ هذهِ المعرفةَ منْ قبلِها.
بدأتْ البلورةُ تتوهجُ بضوءٍ أخاذٍ، وبدأتْ النقوشُ على الجدرانِ تتحركُ، وكأنَّها تستجيبُ لطاقةِ ليلى. شعرتْ بأنَّها ليستْ وحدَها، بلْ هيَ جزءٌ منْ شيءٍ أكبرَ بكثيرٍ.
"إنَّها تتواصلُ معَ الأبعادِ الأخرى." همسَ الدكتورُ علي، وهوَ يشاهدُ المشهدَ بذهولٍ. "إنَّها تفكُّ شفرةَ الوجودِ."
كانتْ لحظةً سحريةً، لحظةً تتجاوزُ الزمانَ والمكانَ. ليلى، الفتاةُ العاديةُ، أصبحتْ جسرًا بينَ العالمينِ، حاملةً على عاتقِها إرثَ الأجدادِ، ومفتاحَ المستقبلِ.