النبؤة الخوارزمية
الفصل 17 — بوابة الماضي المفقود
بقلم رامي الكريم
الفصل 17 — بوابة الماضي المفقود
في قلب العتمة التي أعقبت انقطاع التيار الكهربائي، لم يكن هناك سوى النور المنبعث من الشاشة الرئيسية، الذي أصبح أكثر كثافة، وبدا كأنه يتنفس. كان "زين" و"ليلى" واقفين مذهولين، يتنفسان ببطء، وقلوبهما تخفق بقوة. ضوء الدوامة الفضائية كان يتراقص، ويخلق ظلالاً غريبة على جدران الغرفة.
"زين، ما الذي يحدث؟" سألت "ليلى" بصوت مرتعش، متشبثة بذراع "زين" بقوة.
"لا أدري تماماً،" أجاب "زين"، رغم أن عينيه كانتا تلمعان ببريق الاكتشاف. "يبدو أن تدفق الطاقة قد وصل إلى ذروته. النظام يحاول استيعاب هذه الظاهرة، ولكنه يواجه صعوبة."
على الشاشة، بدأت الأشكال الغريبة داخل الدوامة تتضح أكثر. لم تكن كائنات بالمعنى التقليدي، بل كانت أشبه بتجسيدات للطاقة، تتغير وتتشكل باستمرار. كانت هناك ألوان لم يرها "زين" أو "ليلى" من قبل، وأشكال تتحدى قوانين الهندسة المعروفة.
"هل هذه هي الكائنات التي تحدث عنها جدي؟" سأل "زين" نفسه بصوت مسموع. "أم أنها مجرد مظاهر أولية لفتح البوابة؟"
فجأة، ارتفعت أذرع آلية من السقف، وبدأت مصادر طاقة احتياطية في العمل، مولدة ضوءاً خافتاً لكنه ثابت. عادت الشاشات المحيطة لتعرض بيانات متدفقة، وإن كانت أقل تعقيداً من الشاشة الرئيسية.
"النظام بدأ بالاستقرار،" قال "زين" وهو يحرر ذراعه من قبضة "ليلى" ليعود إلى لوحة التحكم. "لكن هذه الطاقة... إنها ليست مألوفة. إنها ليست كهربائية، ولا مغناطيسية، ولا حتى نووية. إنها شيء مختلف كلياً."
بدأت "ليلى" تستعيد رباطة جأشها، وأخذت تتفحص الأجهزة المحيطة. "هل يمكن أن تكون مرتبطة بالنبؤة التي اكتشفناها؟ 'نبؤة الخوارزمية'؟"
"ربما،" أجاب "زين" وهو يركز على تحليل الإشارات القادمة من البوابة. "النصوص القديمة لم تكن واضحة تماماً بشأن ماهية 'النبؤة'. كانت أشبه بوصف لعملية، عملية تحول كوني. وكان جدي يظن أنها تتعلق بفتح قنوات اتصال مع كيانات سابقة أو لاحقة في تاريخ الكون."
"كيانات سابقة؟" كررت "ليلى" بتعجب. "هل تقصد أننا نتواصل مع حضارات من الماضي؟"
"أو ربما،" قال "زين" ببطء، وهو يراقب تطور الأشكال على الشاشة، "نحن نفتح بوابة إلى 'الماضي المفقود'. إلى لحظات في تاريخ الكون لم تسجل، أو تم محوها. قد تكون هذه الكائنات حراس تلك الأسرار، أو بقايا منها."
بدأ تيار من البيانات يتسارع على الشاشات. كانت هناك أرقام ورموز لم يفهمها "زين" على الفور، ولكنها بدت وكأنها تحمل معنى عميقاً. "هذه البيانات... إنها تبدو وكأنها سجلات. سجلات أحداث، قوانين كونية، ربما حتى تاريخ كواكب وحضارات لم نعلم بوجودها."
"هل يمكنك فك رموزها؟" سألت "ليلى"، وقد انتابها فضول علمي قوي، ممزوج بشيء من الرهبة.
"أحاول،" قال "زين". "إنها لغة معقدة للغاية، تبدو وكأنها تعتمد على مفاهيم رياضية وفيزيائية تتجاوز ما نعرفه. ولكن هناك نمط متكرر، يشبه إلى حد كبير 'شفرة الحياة' التي ذكرتها المخطوطات."
بينما كان "زين" يعمل، بدأت "ليلى" تتفحص منطقة أخرى من الغرفة، حيث كانت توجد خريطة نجوم ثلاثية الأبعاد. فجأة، تلألأت نقطة مضيئة على الخريطة، لم تكن موجودة من قبل.
"زين، انظر إلى هذا!" قالت "ليلى" وهي تشير إلى النقطة. "هذه النقطة لم تكن ضمن المجرات المعروفة لنا. إنها في منطقة بعيدة جداً."
نظر "زين" إلى الخريطة، ثم عاد إلى الشاشة الرئيسية. "مدهش. يبدو أن البوابة ليست مجرد ظاهرة طاقة، بل هي أيضاً وجهة. إنها تفتح مساراً نحو ذلك الموقع."
"هل هذا يعني أننا قد نتمكن من السفر إلى هناك؟" سألت "ليلى"، وشعرت بأنها على وشك اكتشاف شيء قد يغير مسار البشرية إلى الأبد.
"نظرياً، نعم،" أجاب "زين". "إذا استطعنا فهم آلية عمل هذه البوابة، وفهم طبيعة الطاقة التي تدفعها. ولكن هذا سيتطلب وقتاً وجهداً كبيرين. والأهم، سيحتاج إلى فهم كامل لهذه 'السجلات' التي تردنا."
بدأت الأشكال على الشاشة الرئيسية تتجمع، لتشكل ما يشبه صورة واضحة. كانت هناك كائنات واضحة المعالم، تشبه البشر ولكنها أطول وأنحف، ترتدي ملابس غريبة مصنوعة من الضوء. كانوا ينظرون نحو "زين" و"ليلى" من خلال الشاشة، وكأنهم يدركون وجودهما.
"هل هم... يروننا؟" همست "ليلى"، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
"قد يكونون كذلك،" قال "زين" وهو يرفع رأسه عن شاشته، ويحدق في الكائنات. "ربما هذه ليست مجرد بوابة، بل هي نافذة. نافذة تطل على زمان آخر، ومكان آخر، وربما... وعي آخر."
تلاشت الصورة تدريجياً، وعادت الدوامة إلى شكلها الأولي، ولكنها بدت الآن أقل حدة. بدأت صفارات الإنذار تتلاشى، وعادت الأضواء إلى سطوعها الطبيعي.
"يبدو أنها اختفت،" قالت "ليلى" بصوت مخنوق. "ولكنها تركت وراءها... الكثير من الأسئلة."
"وتركَت لنا أيضاً مفتاحاً،" قال "زين" وهو يشير إلى البيانات المتدفقة على شاشاته. "مفتاحاً قد يكون هو 'شفرة الحياة المفقودة'. لقد أخذنا خطوة عميقة في فهم 'النبؤة الخوارزمية'. ولكن الرحلة الحقيقية قد بدأت للتو."
شعر "زين" و"ليلى" بعبء ثقيل من المسؤولية، ولكنهما شعرا أيضاً بإثارة لا توصف. لقد فتحت أمامهم أبواب الكون على مصراعيها، وكشف لهم عن أسرار قديمة ظلت مدفونة لآلاف السنين.