الأرض الموعودة السابعة

الفصل 12 — القنطرة الكونية

بقلم طارق الحكيم

الفصل 12 — القنطرة الكونية

بعد مغادرتهم الكهف الذي احتضن صدى الأجداد، شعر "أحمد" و"ليلى" بقوةٍ جديدةٍ تتملكهم. لم تكن مجرد قوةٍ جسدية، بل كانت قوةً داخلية، مستمدةً من المعرفة التي اكتسبوها ومن الإحساس بالارتباط العميق بماضيهم. كانت الرموز التي رأوها على الصخرة الدائرية قد انطبعت في أذهانهم، تتجسد الآن كخريطةٍ واضحةٍ في عقليهما، ترشدهم نحو وجهتهم الغامضة.

"الإحداثيات واضحة الآن،" قال "أحمد" وهو يتأمل الأفق الممتد أمامهم. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، تلقي بظلالٍ طويلةٍ عبر السهول الشاسعة التي كانوا يسيرون فيها. "الوصول إلى 'القنطرة الكونية' سيتطلب منا عبور هذه السهول، ثم الصعود إلى المرتفعات التي تظهر في الأفق."

"هل تعتقد أن 'القنطرة الكونية' هي بوابةٌ حقاً؟" سألت "ليلى" وهي تشعر ببعض التردد. كان وصفها في النقوش غامضاً، لكنها كانت تشعر بقوةٍ جذبٍ هائلةٍ نحوها.

"كل الأدلة تشير إلى ذلك،" أجاب "أحمد". "إنها ليست مجرد بناء، بل هي تقاطعٌ بين الأبعاد، نقطةٌ تسمح لنا بالانتقال إلى مكانٍ آخر. الأرض الموعودة السابعة."

كانت السهول التي يمرون بها ذات طبيعةٍ فريدة. لم تكن مجرد أرضٍ عادية، بل كانت تتخللها نباتاتٌ ذات أشكالٍ وألوانٍ غريبة، بعضها ينبعث منه ضوءٌ خافتٌ في الظلام، وبعضها الآخر يمتلك أوراقاً تشبه المرايا الصغيرة. كانت السماء فوقهم تحمل دوماً نجماً ساطعاً، يبدو قريباً جداً، وكأنه يراقبهم.

"هذه الأرض لا تشبه أي شيءٍ رأيته من قبل،" قالت "ليلى" وهي تتفحص إحدى النباتات التي كانت أوراقها تتوهج بضوءٍ أخضر فاقع.

"هذه أرضٌ لم تطأها قدم بشريةٌ منذ زمنٍ طويل،" قال "أحمد". "إنها تحتفظ بخصائصها الأصلية، خصائص لم تتلوث بعبث البشر."

في المساء، عندما خيم الظلام، ازدادت النباتات توهجاً، محولةً السهول إلى مشهدٍ سحري. كان الهواء محملاً بروائح غريبة، مزيجٌ من العطور الحلوة والأعشاب اللاذعة. شعروا بالأمان، وكأن هذه الأرض نفسها تحميهم.

"لقد ترك لنا الأجداد شيئاً ما هنا،" قال "أحمد" وهو يتوقف وينظر حوله. "شعرتُ به عندما وصلنا إلى هذه السهول. طاقةٌ هادئة، مطمئنة."

"إنها كأنها تحيط بنا،" أجابت "ليلى" وهي تشعر براحةٍ غريبة. "وكأنها تخبرنا بأننا لسنا غرباء هنا."

بعد عدة أيامٍ من السير، بدأت الأرض ترتفع تدريجياً. تحولت السهول إلى تلالٍ صخرية، ثم إلى سلاسل جبلية شاهقة. كان الهواء يصبح أكثر برودة، وكان الصمت يلف المكان، صمتٌ لا يقطعه سوى صوت الرياح القوية.

"اقتربنا،" قال "أحمد" وهو يشير إلى قمةٍ مرتفعةٍ جداً، تتوسطها تشكيلةٌ صخريةٌ غريبة، تبدو وكأنها منحوتةٌ عمداً.

"هل هذه هي القنطرة؟" سألت "ليلى" بتساؤل.

"نعم. يبدو ذلك. النقوش وصفتها بأنها 'جسرٌ بين عالمين'، وهذا الوصف ينطبق تماماً على ما نراه."

كان صعودهم إلى القمة قاسياً. كانت الصخور حادةً وزلقة، والرياح تكاد تقلعهم من أماكنهم. لكن الإصرار، المدعوم بالأمل وبالمعرفة المكتسبة، كان يدفعهم إلى الأمام.

عندما وصلوا أخيراً إلى القمة، وجدوا أنفسهم أمام مشهدٍ لا يوصف. كانت التشكيلة الصخرية التي رأوها من بعيد عبارة عن قوسٍ ضخم، مصنوعٍ من مادةٍ تشبه الكريستال، تتلألأ بألوانٍ مختلفة. كان القوس يرتفع إلى السماء، وفوقه، كانت تتشكل هالةٌ دوارةٌ من الضوء، تنبعث منها طاقةٌ قوية.

"إنها... إنها تفوق الوصف،" تمتمت "ليلى" وهي تنظر إلى القوس بعينين زائغتين.

"القنطرة الكونية،" قال "أحمد" بخشوع. "إنها حقيقية."

كانت الهالة الدوارة فوق القوس تنبض بالحياة، تبعث موجاتٍ من الطاقة التي يمكنهم الشعور بها على جلدهم. بدت وكأنها بوابةٌ مفتوحةٌ إلى مكانٍ آخر، مكانٍ مختلف تماماً.

"كيف ندخل؟" سألت "ليلى" وهي تشعر بالفضول والخوف في آنٍ واحد.

"علينا أن نتبع الإرشادات،" أجاب "أحمد" وهو يتذكر الرموز التي انطبعت في ذهنه. "يجب أن نقف في مركز القوس، ونوجه أفكارنا نحو الأرض الموعودة السابعة. علينا أن نؤمن بالعبور."

تواجها، وأمسك كل منهما بيد الآخر. كانا يقفان الآن في منتصف القوس الكريستالي، تحت الهالة الدوارة. شعروا ببرودةٍ غريبة تنبعث من القوس، وبدفءٍ غير مألوفٍ من الهالة.

"هل أنتِ مستعدة؟" سأل "أحمد".

"نعم،" أجابت "ليلى" بثقة. "لقد جئنا إلى هنا من أجل هذا."

أغمضا أعينهما، وركز كل منهما على صورته الذهنية لـ "الأرض الموعودة السابعة"، على ذلك المكان الذي يتشكل في خيالهما بناءً على ما سمعاه ورأياه. شعروا بأن طاقتهم تتزايد، وأن جسديهما يرتعشان.

فجأة، شعروا بأن الأرض تحت أقدامهم لم تعد موجودة. كانوا يطفون في فراغٍ مضيء، مليءٍ بالألوان المتغيرة. لم يكن هناك صوت، فقط إحساسٌ بالانتقال السريع، كأنهم يسافرون عبر مسافاتٍ لا نهائية في لحظة.

"نحن ننتقل!" صاح "أحمد" بسعادة.

"لا أصدق هذا،" همست "ليلى" وهي تشعر بأنها تفقد الإحساس بالوقت والمكان.

لم يكن الأمر مؤلماً، بل كان أشبه بالاستحمام في نهرٍ من الضوء. شعروا وكأنهم يتفككون ويعاد تجميعهم في نفس الوقت. كانت تلك تجربةً تتجاوز الفهم البشري، تجربةً تفتح آفاقاً جديدةً للوجود.

بعد ما بدا وكأنه لحظةٌ طويلة، شعروا بأنهم يهبطون ببطء. عاد الإحساس بالأرض تحت أقدامهم، لكنها كانت مختلفة. كانت ناعمةً، مغطاةً بنوعٍ من العشب الأخضر الفاتح الذي لم يروه من قبل.

فتحا أعينهما ببطء. كان المشهد أمامهم مذهلاً. كانت السماء بلونٍ بنفسجي غامق، تتخللها نجومٌ متلألئةٌ بألوانٍ لم يعهدوها. كانت النباتات من حولهم ذات أشكالٍ هندسيةٍ دقيقة، تنبعث منها روائح منعشة. وفي الأفق، كانت تلوح جبالٌ ذات قممٍ فضية، تلامس السحاب.

"لقد وصلنا..." قال "أحمد" بصوتٍ خافت، مفعمٍ بالرهبة.

"إلى أين؟" سألت "ليلى" وهي تتفحص المكان بعينين واسعتين.

"إلى الأرض الموعودة السابعة،" أجاب "أحمد" وهو يبتسم. "لكن... هذا ليس كل شيء."

لاحظت "ليلى" شيئاً غريباً في الأرض التي يقفون عليها. كانت تنبض بضوءٍ خافت، وأنماطٌ متغيرةٌ تظهر وتختفي على سطحها.

"ما هذا؟" سألت.

"هذه ليست مجرد أرض،" قال "أحمد". "هذه الأرض... تتفاعل معنا. أعتقد أننا لم نصل فقط إلى مكانٍ جديد، بل إلى مستوىً جديدٍ من الوجود."

كانت "القنطرة الكونية" خلفهم قد اختفت، تاركةً وراءها فراغاً خالياً. لقد أغلقوا الباب خلفهم، ولم يعد هناك طريقٌ للعودة. كان عليهم الآن أن يواجهوا ما ينتظرهم في هذه الأرض الغامضة، الأرض التي حملت لهم وعداً بالخلاص، ووعداً بالعديد من التحديات.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%