الأرض الموعودة السابعة
الفصل 9 — عبور بوابة النسيان
بقلم طارق الحكيم
الفصل 9 — عبور بوابة النسيان
كانت "أورورا" تستعد لرحلة عبر المجهول. الأضواء في غرفة القيادة كانت خافتة، والتوتر يسود الوجوه. أمامهم، على الشاشة الرئيسية، كانت الخريطة النجمية تعرض المسار الجديد، نقطة عبور محددة تشير إلى "البوابة المفترضة". كانت هذه البوابة، حسب تحليل "أحمد"، هي النقطة التي تتطابق مع أقوى وأكثر الإشارات انتظاماً التي تلقاها "الباحث 3" قبل اختفائه.
"هل كل شيء جاهز؟" سأل "جابر"، الذي كان يقف خلف مقود القيادة، وعيناه ثابتتان على المؤشرات.
"نعم، يا قائد. أنظمة الدفع جاهزة. أنظمة الملاحة متصلة بالمسار الجديد. كل شيء على ما يرام." أجاب "المهندس يوسف"، الشاب الذي أصبح مساعد "جابر" الرئيسي في إدارة "أورورا".
"هل نحن متأكدون من هذا المسار؟" سأل "جابر" وهو ينظر إلى "ليلى" التي كانت تجلس بجانبه.
"لقد راجعنا كل شيء. الخريطة القديمة، الخرائط الحديثة، تحليل 'أحمد' للإشارات. هذه هي أفضل فرصة لدينا." أجابت "ليلى" بنبرة هادئة، لكنها كانت تخفي قلقاً عميقاً.
"حسناً. إذاً، هيا بنا. نحو المجهول." قال "جابر" وهو يضغط على زر التشغيل.
بدأت "أورورا" تهتز ببطء. المحركات الضخمة انطلقت بصوت هدير عميق، يزداد قوة مع كل لحظة. النجوم من حولهم بدأت تتشوه، تتحول إلى خطوط مضيئة، وكأنهم يندفعون بسرعة لا يمكن تصورها.
"نحن نقترب من البوابة المفترضة. سرعة الانحراف الكوني تزداد." قال "أحمد" من قسم المراقبة.
"حافظوا على استقرار المركبة. لا نعرف ما الذي سيحدث عندما ندخل البوابة." أمر "جابر".
أصبحت النجوم أمامهم أشبه بدوامة ضخمة من الألوان والطاقة. كانت "أورورا" تندفع نحو قلب هذه الدوامة. شعر الركاب في الداخل وكأنهم في قطار أفعواني عملاق. الأجسام كانت تتحرك، والأصوات كانت تتشوه.
"قوة الانحراف عالية جداً! نحتاج إلى تعديل مسارنا!" صاح "يوسف".
"لا يمكن! نحن في قلب البوابة! لا نستطيع التحكم!" أجاب "جابر" وهو يكافح للسيطرة على المقود.
وفجأة، اختفت كل الألوان، وتحول كل شيء إلى ظلام دامس. لم يكن ظلاماً عادياً، بل كان ظلاماً مطلقاً، عميقاً، يخلو من أي ضوء. توقفت "أورورا" عن الاهتزاز، وساد صمت رهيب.
"ماذا حدث؟ هل نجونا؟" سألت "ليلى" بصوت مرتجف.
"لا أعرف. لا أرى أي شيء. لا توجد قراءات للطاقة، لا توجد قراءات للموقع." قال "جابر" وهو يحدق في لوحات التحكم المظلمة.
"أنا أيضاً. كل شيء توقف. وكأننا... توقفنا عن الوجود." قال "أحمد" بصوت خافت.
"هذه ليست مجرد بوابة. هذا شيء آخر." تمتم "جابر". "لقد دخلنا شيئاً... لا يمكن وصفه."
ساد الصمت مرة أخرى، صمت أثقل من أي وقت مضى. شعروا بأنهم معلقون في فراغ لا نهائي، بعيدين عن كل شيء. لم يكن هناك وقت، لم يكن هناك مكان. فقط وجود غامض.
"أتذكر ما قاله لي جدي عن الأساطير القديمة." قالت "ليلى" بصوت مرتجف. "كان يتحدث عن 'بوابات النسيان'. بوابات تأخذ المسافرين إلى أبعاد أخرى، أو ربما... إلى زمن آخر."
"زمن آخر؟" سأل "جابر" بتعجب. "هل تعتقدين أننا عدنا بالزمن إلى الوراء؟"
"لا أعرف. ولكن هذا الشعور... هذا الشعور بعدم الوجود... إنه مخيف." قالت "ليلى".
بعد فترة بدت وكأنها دهر، بدأت "أورورا" تهتز مرة أخرى، ولكن هذه المرة بهدوء. بدأت الأضواء الخافتة تعود تدريجياً، كأنها تستيقظ من سبات عميق.
"هناك قراءات! هناك طاقة!" صاح "يوسف". "نحن نتحرك!"
"ولكن إلى أين؟" سأل "جابر".
"لا أعرف. ولكن يبدو أننا خرجنا من تلك البوابة. والسماء أمامنا... تبدو غريبة." قال "يوسف".
رفعوا أنظارهم إلى الشاشة الرئيسية. كانت السماء أمامهم مليئة بالنجوم، ولكنها لم تكن النجوم التي يعرفونها. كانت هناك سحب غازية ملونة، وكواكب ذات ألوان غير مألوفة، وشمس تبدو أكبر وأكثر سطوعاً من شمسهم.
"هذا... هذا ليس نظامنا الشمسي." قال "جابر" بدهشة.
"ولا حتى النظام النجمي الذي كان في خريطة الدكتور صادق." أضاف "أحمد". "هذا شيء مختلف تماماً."
"هل فقدنا المسار؟ هل دخلنا البوابة الخطأ؟" سألت "ليلى" بقلق.
"لا أعتقد ذلك." قال "أحمد" وهو يشير إلى شاشة أخرى. "انظروا إلى هذه القراءات. هذه الإشارات... هي نفس الإشارات التي تلقاها 'الباحث 3'. إنها قوية جداً هنا."
"إذاً، نحن في المكان الصحيح. ولكن... لماذا يبدو مختلفاً؟" تساءل "جابر".
"ربما الدكتور صادق لم يصف المكان بدقة، أو ربما تغيرت الظروف منذ زمنه. أو ربما، هذه هي 'الأرض الموعودة السابعة' التي وجدها، وهي ليست كوكباً بل... نظاماً نجمياً كاملاً." قالت "ليلى" بتفكير.
"ولكن، أين الكوكب؟" سأل "جابر". "الخريطة كانت تشير إلى كوكب واحد."
"علينا البحث. علينا استكشاف هذا النظام النجمي الجديد. يبدو أننا وصلنا، ولكن الطريق لم ينته بعد." قالت "ليلى" بنبرة مليئة بالتحدي.
بدأ "جابر" بتشغيل أجهزة الاستشعار المتقدمة، ومسح النظام النجمي الجديد. كانت هناك كواكب عديدة، بعضها صخري، وبعضها غازي. ولكن لم يكن هناك شيء يشبه "الأرض" تماماً.
"هناك كوكب. يبدو أنه صالح للسكن. لديه غلاف جوي، ومياه سائلة، ودرجة حرارة معتدلة." قال "أحمد" وهو يشير إلى شاشة أخرى. "ولكنه... يبدو مختلفاً جداً عن الأرض. سطحه مغطى بغابات داكنة، وسماءه ذات لون أخضر باهت."
"هل هناك أي علامات لحضارة؟" سأل "جابر".
"لا. لا توجد أي علامات على وجود بناء أو تكنولوجيا. ولكن... هناك شيء غريب. هناك طاقة تنبعث من الكوكب. طاقة بيولوجية قوية جداً." قال "أحمد".
"غابات داكنة، سماء خضراء، وطاقة بيولوجية قوية." تمتمت "ليلى" وهي تنظر إلى الصورة المجسمة للكوكب. "قد يكون هذا هو. قد تكون هذه هي 'الأرض الموعودة السابعة'."
"ولكن لماذا تبدو مختلفة؟ ولماذا لا توجد علامات لحضارة؟" سأل "جابر".
"ربما لأنها ليست حضارة مبنية على التكنولوجيا كما نعرفها. ربما تكون حضارة متجذرة في الطبيعة، في البيولوجيا." قالت "ليلى".
"علينا الهبوط. علينا معرفة المزيد." قال "جابر" بحزم. "جهزوا المركبة للهبوط."
مع غروب شمس غريبة بلون أخضر باهت، بدأت "أورورا" بالانحدار نحو الكوكب المجهول. شعروا بأنهم على أعتاب اكتشاف عظيم، أو ربما على أعتاب كارثة. كانت هذه هي اللحظة التي انتظرها الجميع. لحظة الوصول إلى "الأرض الموعودة السابعة".