ظلال ألف سنة ضوئية
الفصل 8 — بوابة اللانهاية
بقلم بلال الصادق
الفصل 8 — بوابة اللانهاية
انحسرت الأضواء الخافتة في قمرة القيادة، وبدت الظلمة التي تلتها أكثر قتامة وغموضًا. استقرت سفينة "الشراع النجمي" في نقطة محددة بدقة، حيث كان من المفترض أن تبدأ "بوابة اللانهاية". لم تكن البوابة مرئية بالعين المجردة، بل كانت تشكلاً معقدًا من الطاقة الكونية، لا يمكن اكتشافه إلا من خلال أجهزة متخصصة.
"هل أنت مستعدة؟" سألت "ليلى"، وصوتها يحمل مزيجًا من التوتر والإثارة. كانت تعلم أن هذه المرحلة هي الأكثر خطورة.
"مستعدة،" أجاب "زين"، وهو يمسك بيدها بقوة. كانت هذه الرحلة بمثابة حلم والدته، وبمثابة وعد قطعه لها. لم يكن بإمكانه التراجع الآن.
"حسب حسابات أمك، يجب أن نصدر نبضة طاقة معينة في هذه النقطة،" قال "زين" وهو يشير إلى لوحة تحكم. "هذه النبضة ستفتح البوابة مؤقتًا، وتسمح لنا بالمرور. لكن يجب أن تكون دقيقة للغاية. أي خطأ، وقد نُحاصر في فراغ لا نهاية له."
بدأ "زين" بإدخال البيانات بدقة متناهية. كانت يداه ترتجفان قليلاً، لكن تركيزه كان مطلقًا. كل رقم، كل إشارة، كانت تحمل وزنًا ثقيلاً. رفعت "ليلى" يدها لتضغط على زر الإطلاق، وكانت عيناها ثابتتين على قراءات الطاقة.
"ثلاثة... اثنان... واحد... الآن!"
أصدرت السفينة نبضة طاقة قوية، شعت منها أشعة زرقاء لامعة امتدت في الفضاء. للحظة، لم يحدث شيء. شعر "زين" بخيبة أمل كبيرة. هل كانت حسابات والدته خاطئة؟ هل كانت هذه مجرد نهاية لطريق مسدود؟
ولكن فجأة، بدأ الفضاء أمامهم يتشوه. وكأن نافذة هائلة بدأت تتفتح، كاشفة عن مشهد لم يراه أحد من قبل. لم تكن مجرد فضاء عادي، بل كانت دوامة هائلة من الألوان المتداخلة، والضوء الساطع، والأشكال الهندسية الغريبة. كانت تبدو كلوحة فنية كونية، تتغير وتتحول باستمرار.
"إنها... إنها حقيقية!" صاح "زين" بدهشة. "بوابة اللانهاية! أمي لم تخطئ!"
"رائعة!" قالت "ليلى" وهي تنظر إلى المشهد بذهول. "لم أر شيئًا كهذا في حياتي."
"يجب أن ندخل الآن،" قال "زين" وهو يدفع دواسة التسارع. "البوابة لن تبقى مفتوحة طويلاً."
دفعت "ليلى" السفينة بحذر نحو الدوامة المضيئة. شعرت بتيارات غريبة تسحب السفينة، وكأنها تتلاعب بها. كانت الأصوات التي تسمعها غريبة أيضًا، مزيج من همسات، وصافرات، وأصوات شبيهة بالترانيم.
"زين، قراءات الطاقة جنونية!" صاحت "ليلى". "أشعر وكأننا نمر عبر حاجز زمني."
"هذا هو المطلوب،" قال "زين" وهو يراجع سجلات والدته. "أمّي كتبت أن هذا الحاجز يفصل بين واقعنا والواقع الذي توجد فيه النجوم المنسية. إنها رحلة عبر الزمن والمكان."
بدأت صور غريبة بالظهور على الشاشات. صور لأكوان أخرى، لنجوم لم يرونها، لكائنات لم تخطر على بالهم. كانت الصور تتغير بسرعة، وكأنها لمحات من ماضٍ ومستقبل بعيد.
"هل ترى هذا؟" قال "زين" وهو يشير إلى شاشة. "هذه حضارات سابقة! حضارات اختفت قبل أن نعرفها!"
"إنها... مذهلة!" قالت "ليلى". "لكن علينا أن نركز. لا يمكننا أن نضيع في هذه الرؤى."
كانت البوابة تتغير باستمرار، وتتطلب من "ليلى" إجراء تعديلات مستمرة للحفاظ على مسارهم. في لحظة ما، شعروا وكأنهم يسقطون، ثم شعروا وكأنهم يرتفعون. كانت تجربة مربكة، لكن "زين" كان يثق بأن والدته قد أعدت كل شيء.
"أمّي قالت إن هذه البوابة ستأخذنا إلى حيث يجب أن نكون،" قال "زين". "وأن علينا أن نثق بها."
بعد ما بدا وكأنه أبدية، بدأت الألوان تخفت، والأصوات تتلاشى. ظهر أمامهم فراغ أسود، لكنه لم يكن فراغًا عاديًا. كان مليئًا بالنجوم، لكنها كانت نجومًا مختلفة. نجوم بألوان لم يرونها من قبل، نجوم ذات أشكال غريبة.
"لقد عبرنا!" صاحت "ليلى" بارتياح. "نحن... في مكان جديد."
"هذه هي النجوم المنسية،" قال "زين" وهو ينظر إلى السماء. "كما وصفتها والدتي. نجوم لم تعد موجودة في سجلاتنا."
"لكن... أين هو النجم الأزرق؟" سألت "ليلى".
"لا أعرف،" أجاب "زين" وهو يتفحص الخريطة. "لكن يبدو أن هذه المنطقة واسعة جدًا. ربما نحتاج إلى التحرك في اتجاه معين."
بحسب خرائط والدته، كان يجب أن يتجهوا نحو مركز هذا الفراغ الجديد. بدأوا بالتحرك، وكلما تقدموا، بدت النجوم حولهم أكثر غرابة. بعضها كان ينبض بضوء قوي، وبعضها الآخر كان يبدو وكأنه يتلاشى.
"زين، انظر!" صاحت "ليلى" وهي تشير إلى شاشة. "هناك شيء غريب أمامنا. كأنه... ثقب أسود، لكنه يطلق ضوءًا أزرق."
اقتربوا بحذر. كان الشيء الذي يرونه بالفعل ثقبًا أسود، لكنه لم يكن يمتص الضوء، بل كان يطلقه. كان ضوءًا أزرق عميقًا، يحيط به هالة من الطاقة المتلألئة.
"هذا هو!" صاح "زين" بحماس. "النجم الأزرق! لقد وجدناه!"
اقتربوا أكثر. لم يكن مجرد ثقب أسود، بل كان شيئًا أكثر تعقيدًا. بدا وكأنه بوابة أخرى، أو مدخل إلى عالم آخر. الضوء الأزرق المنبعث منه كان قويًا، لكنه لم يكن مؤذيًا. كان يشع بالدفء، وبالغموض.
"ما هذا؟" سألت "ليلى" بدهشة. "يبدو كأنه... قلب لشيء ما."
"أمّي كتبت أن النجم الأزرق ليس نجمًا بالمعنى التقليدي،" قال "زين" وهو يتذكر. "بل هو مركز للطاقة، نقطة التقاء للأبعاد. قد يكون مفتاحًا لفهم الكون."
"لكن كيف ندخل؟"
"علينا أن نثق به،" أجاب "زين". "وأن نتبع الإشارات."
شعر "زين" بأن هناك شيئًا ما يجذبه نحو الضوء الأزرق. لم يكن خوفًا، بل كان شعورًا بالانتماء، وكأن هذا المكان هو المكان الذي يجب أن يكون فيه.
"زين، هل أنت متأكد؟" سألت "ليلى".
"نعم،" أجاب "زين" بابتسامة. "هذه هي رحلتي. رحلة أمي."
دفع "زين" السفينة ببطء نحو الضوء الأزرق. شعر بتيار قوي يسحبهم، وبدأ كل شيء حولهم يتلاشى. لم تعد هناك نجوم، ولا فراغ. فقط الضوء الأزرق، والهدوء الذي لا يوصف.