آخر أبناء آدم في الفضاء

الفصل 17 — شبكة الأمل المتلاشي

بقلم طارق الحكيم

الفصل 17 — شبكة الأمل المتلاشي

في صالة القيادة المركزية لـ"الملاذ"، حيث تتراقص الأضواء على لوحات التحكم، وحيث تتشابك خطوط البيانات لتشكل شبكةً معقدة من المعلومات، كان القائد سليمان يقف مع فريقه المقرب، وعلى رأسهم كبير مهندسي السفينة، الأستاذ فؤاد، ومسؤولة الاتصالات، نادية. كانت وجوههم تعكس تركيزاً شديداً، وقلقاً متزايداً.

"يا سيدي،" بدأت نادية بصوتٍ متوتر، "لقد قمنا بتحليل الإحداثيات والرموز التي وجدتها ليلى. يبدو أنها ليست مجرد إحداثياتٍ فلكية عادية. إنها تشكل نمطاً معقداً، أقرب إلى خريطةٍ مشفرة."

أشار الأستاذ فؤاد إلى شاشةٍ كبيرة تعرض نمطاً هندسياً معقداً. "لقد نجحنا في فك جزءٍ بسيط من الشفرة. هذه النقاط، كما ترون، تتوزع على مسافاتٍ هائلة. ولكن، ما يثير القلق هو أن بعض هذه النقاط تشير إلى مناطق ذات نشاطٍ إشعاعي مرتفع، أو ما يبدو أنه بقايا اصطداماتٍ كونية."

"هل تعني أن هذه 'الخريطة' تشير إلى مصيرٍ مأساوي؟" سأل سليمان، وصوته يحمل ثقل المسؤولية.

"ليس بالضرورة، يا سيدي،" أجابت نادية. "هناك أيضاً نقاطٌ أخرى تقع ضمن مناطق مستقرة، بل إن بعضها يشير إلى أنظمةٍ نجمية قد تكون قابلة للحياة. الأمل هو أن يكون المشروع 'الصدى' قد ترك وراءه إشاراتٍ، أو ربما نقاط توقفٍ استراتيجية للبقاء."

"ولكن، لماذا كل هذا التعقيد؟" تساءل سليمان. "لماذا لا تكون المعلومات واضحة ومباشرة؟"

"قد يكون السبب هو الخوف من أن تقع هذه المعلومات في الأيدي الخطأ،" اقترح الأستاذ فؤاد. "أو ربما كان هناك سباقٌ مع الزمن، ولم يكن لديهم وقتٌ كافٍ لإعداد خطةٍ مثالية. الأهم الآن هو أن نتبع هذا المسار. يبدو أن هناك إشارةً ضعيفة، ولكنها مستمرة، تصدر من إحدى هذه النقاط. إشارةٌ تبدو وكأنها… نداء."

"نداء؟" استغرب سليمان.

"نعم، يا سيدي. إنها ليست إشارةً آلية. إنها تحمل ما يشبه الترددات الحيوية. إنها ضعيفة جداً، بالكاد يمكن التقاطها، ولكنها موجودة."

شعر سليمان بنبضٍ متسارع في قلبه. لقد كانت هذه أول إشارةٍ واضحة لحياةٍ أخرى، أو على الأقل، أثر لحياةٍ ما، منذ عقودٍ طويلة. "ما هي طبيعة هذه الإشارة؟ هل هي بشرية؟"

"هذا ما نحاول معرفته،" أجابت نادية. "الترددات قريبة من الترددات البشرية، ولكن هناك اختلافاتٌ طفيفة. ربما تكون إشارةً من أحد الأجيال السابقة، من بعثةٍ أخرى أُرسلت في نفس الوقت، أو ربما… ربما تكون شيئاً مختلفاً تماماً."

"شيء مختلف؟" تردد سليمان الكلمة، وشعر ببرودةٍ تسري في عروقه. لقد تعلم من تاريخ البشرية أن كل اكتشافٍ جديد، كل لقاءٍ غير متوقع، يحمل في طياته قدراً من المخاطر.

"لا تقلق يا سيدي،" قال الأستاذ فؤاد بهدوء. "لقد قمنا بتحليل مسار الإشارة. إنها قادمة من نظامٍ نجمي يبعد عنا حوالي عشرين دورة ضوئية. إنها رحلةٌ طويلة، ولكنها ليست مستحيلة. يمكننا تعديل مسار 'الملاذ' للتوجه نحو هذا النظام. ولكن، الأمر يتطلب إعادة تقييمٍ شاملة للطاقة والموارد."

"علينا أن نتحرك،" قال سليمان بحزم. "لقد طال انتظارنا، وطال أملنا. هذه الإشارة، مهما كانت طبيعتها، قد تكون مفتاح بقائنا. أو قد تكون نهاية رحلتنا. لكننا لن نجلس مكتوفي الأيدي."

أصدر سليمان الأوامر لفريقه. بدأت التعديلات على مسار السفينة. كانت الأجواء مشحونةً بالترقب. كانت أمينة، التي استمعت إلى جزءٍ من الحديث، تشعر بمزيجٍ من الإثارة والخوف. هل سيجدون إجابات؟ هل سيجدون آخرين؟ أم أنهم سيجدون مجرد صدىً آخر، لموتٍ قديم، أو لحياةٍ لم تعد موجودة؟

وفي غضون ذلك، كان الأستاذ فؤاد يواصل تحليلاته. اكتشف شيئاً آخر، شيئاً أكثر إثارة للقلق. "سيدي، لاحظت أن بعض النقاط في الخريطة، تلك التي تبدو وكأنها تشير إلى أماكن خطرة، تتطابق مع مواقع اكتشافاتٍ غريبة، تقارير عن اختفاء سفنٍ سابقة، أو حتى ظواهر كونية لم يتم تفسيرها."

"ماذا تقصد؟" سأل سليمان.

"أخشى أن يكون المشروع 'الصدى' لم يكن مجرد خطة هروب، بل كان أيضاً محاولةً لدراسة أو حتى احتواء خطرٍ ما. وأن هذه الإشارة التي نتلقاها، قد تكون محاولةً للتواصل من مكانٍ ما، أو ربما… تحذيراً."

تجمعت الغيوم في سماء القيادة، ليس فقط على الشاشات، بل في قلوب طاقم "الملاذ". لقد كانت شبكة الأمل التي بدأت تتشكل، تلوح بظلالٍ من الخطر. كانوا يبحرون نحو المجهول، مدفوعين بصرخةٍ ضعيفة عبر الفضاء، صرخةٌ قد تقودهم إلى خلاصهم، أو قد تقودهم إلى الهلاك.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%