آخر أبناء آدم في الفضاء

الفصل 2 — وصيةٌ في الظلام

بقلم طارق الحكيم

الفصل 2 — وصيةٌ في الظلام

بعد أيامٍ من الانتظار المليء بالقلق والترقب، تبلور شعور "ليلى" بالوحدة إلى حقيقةٍ لا مفر منها. لم يعد والداها، ولم يأتِ أي اتصال. حافظت على روتينها اليومي قدر الإمكان، لكي لا يشعر أحمد وسارة بالخوف. كانت تعد لهما الطعام، تلعب معهما، تقرأ لهما القصص، لكن قلبها كان دائمًا متعلقًا بالباب، تنتظر عودةً لم تحدث.

كانت تتذكر كل تفاصيل الليلة التي اختفى فيها والداها. حديث والدها عن "مشروعٍ سري"، عن "مخاطرٍ وشيكة"، عن "ضرورة الابتعاد". كانت عينا والدتها تحملان مزيجًا من الحزن والأمل، كأنما تخبر ابنتها شيئًا دون أن تتكلم. الآن، كانت كل تلك الكلمات واللمحات تحمل معاني أعمق، ومعاني لم تستطع فهمها.

في إحدى الليالي، وبينما كان أحمد وسارة نائمين، جلست ليلى في غرفة المعيشة، تحت ضوء المصباح الخافت. أمسكت بالجهاز الغريب الذي وجدته في الصندوق. كان لا يزال صامتًا، لا يعرض سوى تلك الرموز الغريبة. فتحت دفتر والدتها الصغير مرة أخرى، تتصفح الكلمات بعناية. كانت معظمها خواطر، تأملات، وأحيانًا، رموزٌ غريبة بدت وكأنها لغةٌ أخرى.

"إلى ابنتي ليلى،" قرأت من صفحةٍ أخرى، بخط والدتها الحنون. "إذا كنتِ تقرئين هذا، فربما لم أستطع البقاء معكِ. لا تدعي الحزن يسيطر عليكِ. أنتِ أقوى مما تظنين. والدكِ قد أخبرني عن طبيعة عمله، عن خطورته. لقد وافقت على هذا الطريق، ليس عن قناعة، بل عن حب. حبٌ يدفعنا للتضحية بكل شيء. تذكري دائمًا أننا نحبكِ أكثر من أي شيء في هذا العالم. هذه القنينة الصغيرة، هي إرثنا. تحتوي على شيءٍ ثمين، شيءٌ يمكن أن يساعدكِ في الأوقات الصعبة."

نظرت ليلى إلى القنينة الصغيرة التي تحمل سائلًا لامعًا. ما هذا الشيء الثمين؟ كيف يمكن لسائلٍ أن يكون إرثًا؟ كانت والدتها دائمًا امرأةً غامضة، لكنها كانت غامضة بطريقةٍ محببة، بطريقةٍ تجعل ليلى تشعر بالأمان. الآن، أصبحت غموض والدتها مصدر قلقٍ دائم.

لم تستطع النوم. قامت من مقعدها، واتجهت نحو نافذة المطبخ. نظرت إلى السماء، إلى النجوم البعيدة. هل والداها هناك؟ هل هما في مكانٍ بعيدٍ جدًا؟ هل هما على قيد الحياة؟

"لا تفكري في ذلك يا ليلى،" همست لنفسها، محاولةً إقناع قلبها. "يجب أن أركز على ما يمكنني فعله."

عادت إلى طاولة القهوة، وضعت الجهاز الغريب أمامها. حاولت مرة أخرى تشغيله، الضغط على الأزرار المختلفة. فجأة، ظهرت سلسلةٌ من الرسائل النصية على الشاشة الصغيرة للجهاز. كانت الرسائل مشفرة، لكن ليلى، بذكائها الحاد، بدأت تشعر بأنها تفهم شيئًا. كانت هناك إحداثيات، رموز، وتواريخ.

"ما هذا؟" تساءلت بصوتٍ عالٍ. "هل هذه تعليمات؟"

تذكرت حديث والدها عن "مشروعٍ عظيم". هل كان هذا المشروع متعلقًا بالفضاء؟ هل كان والداها رواد فضاء؟ الفكرة بدت خيالية، لكن كل شيءٍ حدث كان خياليًا.

بدأت تقارن الرموز الموجودة على الجهاز مع الرموز الموجودة في دفتر والدتها. بدأت بعض الأنماط تتكرر. شعرت بأنها تقترب من شيءٍ ما، من مفتاحٍ لفهم هذا اللغز.

في تلك اللحظة، سمعت صوتًا خافتًا قادمًا من غرفة أحمد. استيقظ. تسللت نحو غرفته، وجدت أحمد جالسًا على سريره، يحدق في الظلام بعينين واسعتين.

"ما بك يا حبيبي؟" سألت، وجلست بجانبه.

"أنا خائف يا ليلى،" قال أحمد بصوتٍ متردد. "أشتاق لأمي وأبي."

احتضنته ليلى بقوة. "أنا أعرف يا أحمد. وأنا أيضًا. لكن يجب أن نكون أقوياء. تذكر ما قالته أمي لنا دائمًا. أننا عائلةٌ واحدة، وأننا سندعم بعضنا البعض."

"لكن أين ذهبوا؟" سأل أحمد، والصوت مليءٌ بالبراءة والارتباك.

"لا أعرف يا عزيزي،" أجابت ليلى بصدق، ثم أضافت بابتسامةٍ واهية، "لكنني متأكدة أنهم سيحبوننا أينما كانوا. والآن، هيا بنا نعود إلى النوم. غدًا يومٌ جديد."

بعد أن عاد أحمد للنوم، جلست ليلى بجانبه، تتأمل وجهه البريء. شعرت بمسؤوليةٍ أكبر تقع على عاتقها. لم تعد مجرد أخت كبرى، بل أصبحت هي المسؤولة عن بقاء هذه العائلة الصغيرة.

عادت إلى غرفة المعيشة، وقررت أن تقضي الليل وهي تحاول فك رموز الجهاز. كانت تعلم أن والدها ترك لها هذه الأدوات لسببٍ ما. كانت تعلم أن هناك أملًا في فهم ما حدث، وفي العثور على طريقٍ للعودة.

مرت الساعات ثقيلة، وليلى غارقةٌ في عالمٍ من الرموز والأرقام. بدأت تدرك أن هذه ليست مجرد رسائل عادية، بل هي إحداثيات معقدة، وجداول زمنية، ومعلومات فنية. شعرت بأنها تخطو خطواتٍ أولى نحو فهمٍ أوسع، نحو عالمٍ لم تكن تعلم بوجوده.

"آخر أبناء آدم في الفضاء..." همست بالكلمات التي قرأتها في بداية أحد الرسائل. هل هذا يعني أنهم كانوا آخر من تبقى؟ هل كان هناك شيءٌ قد حدث للأرض؟

أسئلةٌ لا نهاية لها بدأت تتراكم في ذهنها، لكن في قلب كل هذه الأسئلة، كان هناك خيطٌ رفيعٌ من الأمل. أملٌ بأنها تستطيع، بمساعدة هذه الوصية الغامضة، أن تجد طريقها، وأن تفهم الحقيقة، وأن تعيد دفء عائلتها المفقودة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%