آخر أبناء آدم في الفضاء
الفصل 24 — نداءات من عالم موازٍ
بقلم طارق الحكيم
الفصل 24 — نداءات من عالم موازٍ
بعد لقاء "آدم" مع الطيف الغامض، أصبح شعوره بالخطر يتزايد. لم يعد الأمر مجرد ذكرياتٍ مزعجة، بل أصبح إحساساً حقيقياً بوجودٍ يتربص في الظلام. بدأ يبحث عن أي دليلٍ على حقيقة ما رآه، مستعيناً بالمعلومات التي اكتسبها من البنية الكريستالية، وبقدرته المتزايدة على استشعار الطاقة. "ليلى" و"زينب"، اللتان كانتا تشاركان معه هذه الرحلة، بدأت تشعران بقلقه المتزايد، وتحاولان فهم ما يدور في خلده.
"آدم، ما الذي يقلقك لهذه الدرجة؟" سألت "ليلى" ذات صباح، وهي تراقبه وهو ينظر إلى أفق الكوكب بلا توقف. "منذ تلك الليلة، وأنت على هذا الحال."
"لا أستطيع أن أشرح لكِ تماماً،" أجاب "آدم" بصوتٍ متعب. "ولكنني أشعر بأن هناك شيئاً ما. شيئاً خطيراً."
"هل له علاقة بذلك الطيف الذي رأيته؟" سألت "زينب" وهي تجلس بجانبه. "لقد أخبرتنا أنك رأيت شبحاً."
"نعم،" قال "آدم". "ولكنه لم يكن مجرد شبح. شعرت أنه كان يحاول إخباري بشيءٍ مهم. شيءٌ يتعلق بـ 'المتحدين' وربما بهذا الكوكب."
"ولكننا لم نجد أي دليلٍ على وجودهم هنا." قالت "ليلى". "كل ما وجدناه هو آثار حضارةٍ قديمة."
"أعرف،" قال "آدم". "ولكنني أشعر بأن هذه الآثار ليست كل القصة. شعرت بأن هذا الكوكب ليس مجرد مكانٍ نختبئ فيه، بل هو ربما... بوابة."
"بوابة؟" تساءلت "زينب" بدهشة. "بوابة إلى أين؟"
"لا أعرف." أجاب "آدم". "ربما إلى عالمٍ آخر. ربما إلى عالمٍ كان يعيش فيه أولئك الذين تركوا هذا الكوكب. ولكنها قد تكون أيضاً بوابةٌ لـ 'المتحدين'."
بدأ "آدم" يحاول استخدام البنية الكريستالية بطريقةٍ جديدة. لم يعد يبحث عن الذكريات، بل عن الطاقة. بدأ يستشعر تياراتٍ خفية، تردداتٍ لم يكن يسمعها من قبل.
"هناك شيءٌ هنا." قال "آدم" فجأة. "شيءٌ غريب."
"ما هو؟" سألت "ليلى".
"إنه... صوت. ليس صوتاً نسمعه بأذاننا، بل صوتاً نشعر به في أعماقنا. إنه كأنها نداءات."
"نداءات؟ من أين؟" سألت "زينب".
"من مكانٍ بعيد." أجاب "آدم". "من عالمٍ آخر. يبدو أنهم يحاولون الوصول إلينا."
بدأت "ليلى" و"زينب" تشعران بهذه النداءات أيضاً. كانت غريبة، ومربكة، ولكنها كانت تحمل شعوراً بالأمل.
"إنهم... يبدون كأنهم يطلبون المساعدة." قالت "ليلى".
"ولكنهم يبدون أيضاً كأنهم... خائفون." قالت "زينب".
"هل هم من نفس الحضارة التي بنت هذا الكوكب؟" سأل "آدم".
"لا أعتقد ذلك." أجاب "آدم". "هم مختلفون. ولكنهم يبدون كأنهم يعرفون ما حدث للأرض."
بدأ "آدم" يحاول التركيز على هذه النداءات، محاولاً فهم رسالتهم. بدأت الصور تتشكل في ذهنه. رأى عالماً مختلفاً، مليئاً بالألوان الغريبة، وبمخلوقاتٍ لم ير مثلها من قبل. رأى أيضاً الدمار، والفوضى، والخوف.
"إنهم في خطر." قال "آدم" بصوتٍ متأثر. "إنهم يتعرضون لهجوم."
"من؟" سألت "ليلى".
"لا أعرف." أجاب "آدم". "ولكنهم يبدون كأنهم يتعرضون لهجومٍ من قبل نفس القوة التي دمرت أرضنا."
"المتحدون؟" سألت "زينب".
"ربما." أجاب "آدم". "ولكن هذه المرة، يبدو أنهم أقوى. لقد وجدوا طريقةً للوصول إلى عوالم أخرى."
شعر "آدم" بشيءٍ يدفعه إلى فعل شيء. لم يكن يريد أن يرى عالماً آخر يدمر، كما حدث لأرضه.
"علينا أن نساعدهم." قال "آدم" بحزم.
"ولكن كيف؟" سألت "ليلى". "نحن ثلاثة فقط. ليس لدينا سفينة، ولا أسلحة."
"لدينا هذه البنية." قال "آدم". "لدينا هذه الطاقة. ربما يمكننا استخدامها لفتح بوابة، والذهاب لمساعدتهم."
"هل أنت متأكد؟" سألت "زينب" بقلق. "هذا قد يكون خطيراً جداً."
"أعرف." أجاب "آدم". "ولكن إذا لم نفعل شيئاً، فربما نخسر كل شيء."
قرروا أن يحاولوا. بدأ "آدم" و"ليلى" و"زينب" بالتركيز على البنية الكريستالية، محاولين توجيه طاقتها. بدأت البنية تتوهج بضوءٍ شديد، وتتغير ألوانها بسرعة. بدأت الأصوات الغريبة تزداد قوة، وكأنها تستجيب لمحاولتهم.
"إنها تعمل!" هتفت "ليلى".
"نحن نقترب!" صاحت "زينب".
وفجأة، انفتح أمامهم شقٌ في الهواء، كأنه نافذةٌ إلى عالمٍ آخر. كان الشق يتوهج بضوءٍ غريب، ويبدو أنه يقود إلى مكانٍ بعيد.
"هذه هي البوابة." قال "آدم". "علينا أن ندخل."
نظروا إلى بعضهم البعض، ثم إلى الشق الغريب. كانت هناك نظرة خوف، ولكنها كانت ممزوجةً بنظرة تصميم.
"سنذهب معاً." قالت "ليلى" وهي تمسك بيد "آدم".
"إلى النهاية." أضافت "زينب" وهي تمسك بيد "ليلى".
خطوا خطوةً واحدة، ثم خطوةً أخرى، ودخلوا إلى الشق الغامض. شعروا بأنهم ينتقلون عبر مسافاتٍ شاسعة، عبر زمنٍ مختلف. عندما وصلوا، وجدوا أنفسهم في عالمٍ غريب، مليء بالألوان الزاهية، وبالمخلوقات العجيبة.
ولكن، لم يكن هناك وقتٌ للاستكشاف. رأوا قوىً مظلمة تهاجم، كائناتٌ غريبة، ومرعبة. إنها 'المتحدون'، ولكنهم يبدون أقوى وأكثر شراسةً مما تخيلوا.
"إنهم هنا!" صاح "آدم". "لقد وصلوا."
بدأت المعركة. لم يكن لديهم سفن، ولا أسلحة، ولكن كان لديهم طاقة البنية الكريستالية، والتي كانت تتدفق في أجسادهم. بدأوا يستخدمون هذه الطاقة للدفاع عن أنفسهم، ولصد هجوم 'المتحدين'.
كانت المعركة شرسة، وشاقة. شعروا بأنهم مرهقون، ولكنهم لم يستسلموا. كانوا يقاتلون من أجل هذا العالم، ومن أجل كل العوالم التي قد تتعرض لخطر 'المتحدين'.
"علينا أن نجد مصدر قوتهم." قال "آدم" وهو يقاتل. "يجب أن نجد كيف نوقفهم."
"لقد رأيت شيئاً!" صاحت "زينب". "شيءٌ غريب. كأنه... جهاز."
"أين؟" سأل "آدم".
"هناك!" أشارت "زينب" إلى منطقةٍ بعيدة، حيث كانت هناك بنيةٌ ضخمة، تشبه البنية الكريستالية على كوكبهم، ولكنها كانت مظلمة، وتنبعث منها طاقةٌ سلبية.
"هذا هو مصدر قوتهم." قال "آدم". "يجب أن ندمرها."
بدأوا بالتحرك نحو البنية المظلمة، يقاتلون طريقهم عبر أعداد 'المتحدين'. كانت المعركة طاحنة، ولكنهم كانوا مصممين على الوصول إلى هدفهم.
عندما وصلوا إلى البنية المظلمة، بدأت تتكشف أمامهم حقيقةٌ صادمة. لم تكن مجرد بنية. كانت أشبه بـ... سجن. سجنٌ يحتجز فيه كائناتٌ غريبة، تبدو كأنها 'المتحدون'، ولكنهم يبدون كضحايا.
"ما هذا؟" تساءلت "ليلى" بدهشة.
"يبدو أن 'المتحدين' ليسوا هم من يهاجمون." قال "آدم" بتفكير. "بل هم من يتم استغلالهم. هذه البنية هي التي تسجنهم، وتستنزف طاقتهم، وتوجههم للهجوم."
"ومن يفعل ذلك؟" سألت "زينب".
"لا أعرف." أجاب "آدم". "ولكن يجب أن نطلق سراحهم. ربما هم أيضاً يبحثون عن السلام."
بدأوا بمحاولة فتح البنية المظلمة، باستخدام طاقة البنية الكريستالية. كانت العملية صعبة، وشاقة. كانت البنية تقاوم، وكأنها تمتلك حياةً خاصة بها.
"علينا أن نركز كل طاقتنا!" صاح "آدم".
ركزوا كل قوتهم، وكل إرادتهم. بدأت البنية المظلمة تتصدع، وتتفتت. بدأت الأضواء الخافتة تظهر من الداخل، كأنها روحٌ تستيقظ.
وأخيراً، انفجرت البنية المظلمة. انطلقت منها موجةٌ من الطاقة، ولكنها لم تكن طاقةً سلبية، بل طاقةٌ نقية، طاقةٌ تبعث على الشعور بالراحة والسلام.
خرجت من البنية كائناتٌ شبيهة بـ 'المتحدين'، ولكنهم كانوا يبدون مختلفين. كانوا يبدون هادئين، وسلميين، وكأنهم تحرروا من عبءٍ ثقيل.
"لقد نجحنا." قالت "ليلى" بارتياح.
"ولكن،" قال "آدم" وهو ينظر حوله. "من فعل هذا؟ من بنى هذا السجن؟"
"ربما هم نفس من تركوا كوكبنا." قالت "زينب". "ربما حاولوا السيطرة على كل شيء، حتى على هذه القوة."
شعروا بأنهم قد أنقذوا هذا العالم، ولكنهم لم يفهموا الحقيقة الكاملة. كان هناك المزيد ليكتشفوه، والمزيد ليواجهوه.