آخر أبناء آدم في الفضاء
الفصل 3 — الصندوق الأسود
بقلم طارق الحكيم
الفصل 3 — الصندوق الأسود
مع بزوغ الفجر، وبعد ليلةٍ طويلةٍ قضتها "ليلى" في محاولة فك رموز الجهاز الغريب، شعرت بالإرهاق يتسلل إلى جسدها، لكن عقلها كان في حالةٍ من النشاط المتواصل. لم تكن مجرد محاولة لتشغيل جهاز، بل كانت رحلةً استكشافية في عالمٍ مجهول، عالمٍ يبدو أن والديها كانا جزءًا منه.
بعد أن اطمأنت على أحمد وسارة، عادت إلى طاولة القهوة، ووضعت أمامها دفتر والدتها، والجهاز، والقنينة الصغيرة. نظرت إلى القنينة، ثم إلى السائل اللامع بداخلها. هل يمكن أن يكون هذا السائل هو المفتاح؟ هل يمكن أن يكون له علاقة بهذه الرسائل المشفرة؟
قررت أن تجرب شيئًا. وضعت القنينة بجانب الجهاز. لم يحدث شيء. ثم، تذكرت عبارة والدتها: "شيءٌ ثمين، شيءٌ يمكن أن يساعدكِ في الأوقات الصعبة."
"الأوقات الصعبة..." كررت ليلى. "وهذه ليست أوقاتًا صعبة؟"
في تلك اللحظة، لمعت فكرةٌ في رأسها. ربما لم يكن السائل مجرد سائل. ربما كان يحتاج إلى تفاعلٍ ما. نظرت إلى الجهاز مرة أخرى. كانت هناك منطقةٌ صغيرةٌ في أسفله، تبدو وكأنها مخصصة لوضع شيءٍ ما.
بحذر، فتحت القنينة، وسكبت قطرةً واحدةً من السائل اللامع في تلك المنطقة. في اللحظة التي لامس فيها السائل سطح الجهاز، أضاء الأخير بضوءٍ قوي، واختفت الرموز المشفرة، وظهرت شاشةٌ جديدة، تعرض خريطةً ثلاثية الأبعاد لسماءٍ مرصعة بالنجوم. لم تكن سماء الأرض التي تعرفها. كانت نجومٌ وكواكبٌ لم ترها من قبل.
"يا إلهي..." همست ليلى، وعيناها تتسعان دهشةً.
في وسط الخريطة، كانت هناك علامةٌ حمراء ساطعة، تبدو وكأنها وجهتها. وتحت الخريطة، ظهر نصٌ باللغة العربية، واضحٌ هذه المرة: "المحطة ألفا - برج المراقبة. نقطة الاتصال الوحيدة. الوصول ضروري."
"المحطة ألفا؟" تساءلت. "ما هي هذه المحطة؟"
فجأة، سمعت صوتًا يأتي من الجهاز. كان صوتًا آليًا، هادئًا، لكنه بدا مألوفًا بشكلٍ غريب.
"مرحباً بكِ، الآنسة ليلى. لقد تم تفعيل نظام الاتصال الطارئ. نظام 'الأمل الأخير'."
"الأمل الأخير؟" تكررت ليلى الكلمات. "من أنت؟"
"أنا هو نظام الذكاء الاصطناعي المسؤول عن هذه المحطة، والبرنامج المصمم لحمايتكِ. لقد تم تفعيل النظام ببياناتٍ من والديكِ، السيد خالد والسيدة نور."
"والديّ؟ هل والداي هما من وضعا هذا؟" سألت، وقلبها يخفق بسرعة.
"نعم. لقد تركا لكِ تعليماتٍ مفصلة. مهمتكِ الآن هي الوصول إلى المحطة ألفا. إنها تقع في نظام نجمي بعيد، لكن الجهاز الذي بين يديكِ سيقودكِ إلى هناك. لديه القدرة على فتح ممراتٍ بين الأبعاد."
"ممرات بين الأبعاد؟" كانت ليلى غير مصدقة. كل ما كانت تسمعه كان يفوق الخيال.
"نعم. لقد واجهت الأرض تحديًا كبيرًا، تحديًا لم يكن يتوقعه أحد. اضطررتُ أنا ووالديكِ إلى اتخاذ قراراتٍ صعبة. لقد كنتِ دائمًا ذكيةً وفطنة، وقد اختاركِ والداكِ لتكوني حارسة هذا الإرث. هذا الجهاز هو مفتاحكِ، والقنينة تحتوي على وقودٍ للرحلة."
"لكن كيف؟ كيف سأقود أحمد وسارة؟ أنا مجرد فتاة." قالت ليلى، وبدأت تشعر بالخوف يسيطر عليها.
"أنتِ أكثر من مجرد فتاة يا ليلى. أنتِ ابنة خالد ونور. ولديكِ الشجاعة والقوة اللازمتين. أنا هنا لمساعدتكِ. سأكون دليلكِ وصوت العقل. لكن القرار النهائي لكِ. هل أنتِ مستعدةٌ لمواجهة المجهول؟"
نظرت ليلى إلى أحمد وسارة النائمين. ثم نظرت إلى الخريطة النجمية المعروضة على الجهاز. تذكرت وعد والدها بالعودة. تذكرت حب والدتها. شعرت بقوةٍ غريبة تتملكها، قوةٌ لم تكن تعلم بوجودها.
"نعم،" قالت بصوتٍ ثابت، "أنا مستعدة."
"ممتاز. الآن، استمعي جيدًا. هذه هي الخطوات الأولى. ستحتاجين إلى إعداد بعض الأمتعة الضرورية. ثم، سنتجه إلى قبو المنزل، حيث يوجد شيءٌ ينتظركِ."
قضت ليلى الساعات القليلة التالية في تحضير ما يمكنها جمعه من أطعمةٍ وملابس، وهي تشعر بخليطٍ من الرهبة والحماس. تبعت تعليمات الجهاز، ونزلت إلى قبو المنزل. كان القبو مظلمًا ورطبًا، مليئًا بالأشياء القديمة التي لم يتم استخدامها منذ سنوات.
"اذهبي إلى الزاوية الخلفية،" وجهها الجهاز. "هناك، ستجدين شيئًا أكبر."
عندما وصلت إلى الزاوية، لمحت شيئًا غريبًا. كان يبدو كمركبةٍ صغيرة، مغطاةً بغطاءٍ قماشي سميك. سحبت الغطاء، وانكشفت عن مركبةٍ فضائية صغيرة، مصممةٍ لثلاثة أشخاص. كانت تبدو حديثةً جدًا، ولم ترها ليلى من قبل.
"هذه هي 'سفينة الأمل'. إنها مصممةٌ للرحلات القصيرة عبر الأبعاد. يمكنها أن توصلكِ إلى المحطة ألفا."
"سفينة الأمل..." همست ليلى، ولمست سطح المركبة البارد. "كل هذا كان مخططًا له."
"نعم. لقد فعل والداكِ كل ما بوسعهما لضمان سلامتكِ. والآن، حان دوركِ."
بعد أن أعدت ليلى كل شيء، وقامت بإيقاظ أحمد وسارة بهدوء، وأخبرتهما بأنهم سيذهبون في رحلةٍ طويلة معها، توجها جميعًا نحو "سفينة الأمل". كان أحمد وسارة متحمسين، غير مدركين لخطورة الموقف. أما ليلى، فكان قلبها مليئًا بالمشاعر المتضاربة، لكنها عرفت أن عليها أن تكون قوية.
جلست ليلى في مقعد القيادة، وأحمد وسارة بجانبها. وضعت الجهاز أمامها.
"ابدئي الإقلاع،" قال صوت الجهاز. "وجهتكِ: المحطة ألفا."
ضغطت ليلى على الزر. شعرت باهتزازٍ خفيف، ثم بدأ النور في الخارج بالتحول إلى ألوانٍ غريبة. اختفت السماء المألوفة، وبدأت تتشكل أمامهم ممراتٌ من الضوء المتلألئ. كانت سفينة الأمل تنطلق بسرعةٍ فائقة، في رحلةٍ نحو المجهول.
"وداعًا يا أرض،" همست ليلى، وهي تنظر إلى السماء التي تتغير أمامها. "نأمل أن نراكِ مرةً أخرى."