بصمة الإيمان بين الكواكب
همسات النجوم والوعد القديم
بقلم بلال الصادق
ارتعشت "ليلى" بين ذراعيه، لم يكن ارتعاش خوف، بل كان أشبه بتيار كهربائي لطيف يسري في عروقها، يوقظ فيها مشاعر كانت مدفونة تحت طبقات من الجليد. لم تكن تعلم كيف وصلت إلى هذه اللحظة، كيف انقلبت حياتها رأسًا على عقب بكلمات لم تتوقعها، بلمسة لم تكن في حسبانها. كان "زياد" يراقب تعابير وجهها المتغيرة، يعلم أن كلماته قد أحدثت صدى في أعماق روحها، وأن الجدار الذي بنته حول قلبها بدأ يتصدع. كان يرى النجوم في عينيها، لكنها كانت نجومًا بعيدة، تتلألأ ببريق حزين، كأنها تحمل أسرارًا قديمة. "ليلى"، قال بصوت خافت، بالكاد سمعته همسات الرياح المحملة بعبير زهور "سيلينا" العطرية، "أنا لا أجبرك على شيء. أنا فقط... أردت أن تعرفي. أردت أن يكون لكِ الخيار." كان يعلم أن الثقة بينهما ما زالت هشة، وأن ماضيهما المشترك، بكل ما فيه من ألم وفقد، يلقي بظلاله على حاضرهما. لكنه كان مستعدًا للانتظار، مستعدًا لمنحها الوقت الذي تحتاجه لتستعيد إيمانها بنفسها، وبحب قديم وجد طريقه إليهما مرة أخرى، عبر مسافات لا يمكن للعقل البشري إدراكها.
كانت "ليلى" تنظر إلى السماء، إلى تلك النقاط المضيئة التي تبدو قريبة في هذا الكوكب الغريب، لكنها في الواقع بعيدة بعد دهر. تذكرت جدتها، تلك المرأة الحكيمة التي كانت تحكي لها قصصًا عن النجوم، عن الأجداد الذين كانوا يرحلون بينها، تاركين بصمات من الإيمان والأمل. كانت جدتها تقول لها دائمًا: "الإيمان هو البوصلة التي توجهنا في ظلام الكون، وهو النور الذي يرشدنا إلى طريق العودة." هل كان هذا هو المقصود؟ هل كان لقاؤها بـ "زياد" هو استجابة لتلك الهمسات القديمة، لتلك الوعود التي نسجتها جدتها في خيالها الطفولي؟ شعرت بحرارة أنفاسه على عنقها، وهو يميل برأسه ليسمع دقات قلبها المتسارعة. "أعرف أن الأمر يبدو غريبًا"، استأنف "زياد"، "ربما مستحيلًا بالنسبة للكثيرين. لكننا لسنا "الكثيرين"، أليس كذلك؟ نحن ممن رأوا ما لم يره الآخرون، ممن عاشوا ما لم يعشه غيرهم." كان يمسك بيدها برفق، يداعب أصابعها ببهامته، وكأنه يحاول استشعار دفء روحها. "أتذكرين تلك الليلة التي حدثتك فيها عن "المدينة المفقودة"؟ عن الأساطير التي تقول إنها بنيت على ضوء النجوم؟" أومأت "ليلى" برأسها، لم تستطع الكلام. كانت تلك الليلة بداية كل شيء، بداية الرحلة نحو المجهول، بداية البحث عن إجابات لطالما شغلت بالها.
"لم تكن مجرد أسطورة، ليلى"، تابع "زياد" بصوت أكثر ثباتًا، "كانت حقيقة. حقيقة مدفونة تحت طبقات من الزمن والإهمال. وأنا، وأنتِ، كنا جزءًا من تلك الحقيقة. لا أعرف كيف، ولا أعرف لماذا، لكننا كنا مرتبطين بهذه المكان، بهذه الحضارة التي سبقتنا بآلاف السنين." نظر إليها مباشرة، رأى في عينيه مزيجًا من الشوق والحزن، لكنه كان أيضًا يحمل بريقًا من العزم. "لقد كنت أبحث عنكِ، ليلى. منذ أن اختفيتِ. كنت أعرف أنكِ لم تختفي، بل كنتِ في مكان ما. في مكان ما يحتاج إلينا." تنهد بعمق، ثم أضاف، "والآن بعد أن وجدتكِ، بعد أن عدتِ إليّ، لا أستطيع أن أترككِ تذهبين مرة أخرى. لا يمكنني أن أترك هذه الفرصة تضيع." كان يشعر بثقل المسؤولية، لكنه كان أيضًا يشعر بقوة غريبة تدفعه للأمام. قوة تنبع من إيمان، من وعد، من حب لم يمت. "ماذا تقولين، ليلى؟ هل أنتِ مستعدة لرحلة أخرى؟ رحلة نحو اكتشاف أنفسنا، واكتشاف هذا المكان الذي جمعنا مرة أخرى؟" كان السؤال معلقًا في الهواء، يتراقص مع ضوء النجوم، ينتظر إجابة من قلب ما زال يحاول استيعاب كل ما يحدث. كانت "ليلى" تشعر بأنها تقف على مفترق طرق، طريق إلى الماضي المجهول، وطريق إلى مستقبل لم يتخيله أحد.