بصمة الإيمان بين الكواكب
صدى الأكوان الموازية
بقلم بلال الصادق
فتحت "ليلى" عينيها ببطء، وشعرت وكأنها تستيقظ من سبات عميق. لم يكن المكان الذي وجدت نفسها فيه مألوفًا، لكنه لم يكن مخيفًا أيضًا. كانت أشبه بغرفة ذات جدران شفافة، تتلألأ بضوء خافت ومتغير، وكأنها مصنوعة من بلورات سائلة. في الخارج، لم تكن هناك سماء بالمعنى المألوف، بل كان هناك مزيج من الألوان المتدفقة، كأنها لوحة فنية كونية لا متناهية. لم تكن "ليلى" وحدها. كان "زياد" يقف بجانبها، يمسك بيدها بقوة، وعيناه تراقبان محيطهما بفضول وحذر. "أين نحن، زياد؟" سألت بصوت مرتجف، لكنه كان صوتًا يحمل في طياته قدرًا من التماسك لم تكن تتوقعه. كان "زياد" يبتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة تحمل مزيجًا من الراحة والإعجاب. "نحن في مكان ما بين الأكوان، ليلى. في نقطة التقاء، أو ربما في محطة ترانزيت." كان يتحدث بهدوء، وكأنه يشرح درسًا في الفيزياء الفلكية، لكن كلماته كانت تحمل ثقلًا عاطفيًا كبيرًا. "هذا المكان... إنه يسمح لنا برؤية ما هو أبعد من عالمنا. رؤية صدى الأكوان الأخرى، الأكوان التي ربما تكون قد حدثت فيها أشياء مختلفة."
كانت "ليلى" تشعر بالدوار، وكأنها تفقد الاتصال بالواقع. كانت الألوان المتدفقة في الخارج تتغير باستمرار، وترسم صورًا سريعة لأماكن لم ترها من قبل. مدن عملاقة، حضارات غريبة، كائنات لم تتخيل وجودها. "هل هذا... هل هذه أكوان أخرى؟" سألت، وهي تشير إلى أحد المشاهد السريعة التي ظهرت فجأة. كان المشهد عبارة عن مدينة ضخمة، تطفو في الفضاء، معقدة في تصميمها، تتلألأ بضوء أزرق سماوي. "نعم"، أجاب "زياد"، "هذا أحد الاحتمالات. ربما في هذا الكون، تمكنت تلك الحضارة من تطوير تقنيات للسفر بين الأكوان. أو ربما... ربما تكون هذه انعكاسات لأكوان موازية لكوننا." كان يشد على يدها، وكأنه يريد أن يطمئنها، ولكنه كان أيضًا يريد أن يشاركها هذه التجربة الاستثنائية. "أتذكرين عندما كنتِ صغيرة، وكيف كنتِ تسألين عن إمكانية وجود عوالم أخرى؟ عن وجود نسخ أخرى منا، تعيش حياة مختلفة؟" كانت "ليلى" تتذكر تلك الأفكار الطفولية، تلك الأسئلة التي كانت تبدو بلا إجابة. والآن، ها هي تراها أمامها، تتجسد في أشكال وألوان لا يمكن للعقل البشري استيعابها بسهولة.
"هذا المكان"، تابع "زياد"، "هو أشبه بمرآة كونية. يعكس لنا ما يمكن أن يكون. ما كان يمكن أن يكون. وما قد يكون في المستقبل." نظر إلى "ليلى" بعمق، ورأى فيها انعكاسًا لروعته. "لقد وصلنا إلى هنا لأن إيماننا، إيماننا بما هو غير مرئي، بما هو خارج نطاق المنطق المادي، أصبح قويًا بما يكفي. إيماننا ببعضنا البعض، وبقدرتنا على تجاوز الحدود." كانت "ليلى" تشعر بأن شيئًا ما يتغير بداخلها. لم تعد مجرد فتاة تائهة، بل أصبحت جزءًا من شيء أكبر، جزءًا من نسيج كوني معقد. "هل... هل يمكننا أن نرى...؟" بدأت تسأل، ولكنها لم تكمل. كان "زياد" يفهم سؤالها. "هل يمكننا أن نرى أنفسنا في تلك الأكوان؟" أومأ برأسه. "ربما. ولكن ذلك قد يكون مؤلمًا. رؤية مسارات مختلفة، خيارات أخرى، قرارات لم نتخذها." كان هناك حزن خفيف في صوته، وكأنه يتذكر ماضيه، ويتساءل عن الأكوان التي ربما عاش فيها حياة مختلفة.
"لكننا اخترنا هذا المسار، أليس كذلك؟" قالت "ليلى"، بصوت قوي وثابت، مفاجئة نفسها بقدرتها على هذا الثبات. "لقد اخترنا أن نكون هنا، معًا." ابتسم "زياد" ابتسامة واسعة، وامتلأت عيناه ببريق جديد. "نعم، ليلى. لقد اخترنا. وقد كان اختيارًا صائبًا." ثم، بينما كانت الألوان تتكثف حولهما، وتتردد همسات خافتة من أماكن بعيدة، من أكوان أخرى، شعر كلاهما بأن شيئًا ما قد تغير. لم يعد الأمر يتعلق بالبحث عن ماضٍ مفقود، أو مستقبل غامض. بل أصبح يتعلق بالحاضر، بالحاضر المشترك الذي بنياه معًا، في هذا المكان الغريب، بين الأكوان. كانت هذه هي البداية الحقيقية، بداية رحلتهما، ليس فقط عبر الفضاء، بل عبر الزمن، وعبر الذات.