أسفار الملائكة الآلية

الفصل 2 — ظلال الماضي في بيت الجدة

بقلم طارق الحكيم

الفصل 2 — ظلال الماضي في بيت الجدة

كانت جدة ليلى، السيدة "أمينة"، تعيش في جزء أقدم من "المدار"، وهي منطقة لا تزال تحتفظ ببعض بقايا العمارة التقليدية، وإن كانت متناثرة بين الأبراج الحديثة. كان منزلها أشبه بملاذ هادئ، مليء بالأثاث القديم، والصور العائلية المؤطرة، ورائحة الياسمين التي تنبعث من شرفتها. كانت جدة أمينة تمثل بالنسبة لليلى جسراً حقيقياً إلى الماضي، فهي الوحيدة بين عائلتها التي تتذكر بوضوح "عصر الاستشعار" وما قبله.

عندما دخلت ليلى ووالدها، استقبلتهما الجدة بابتسامة دافئة وعينين تلمعان بالحنان. كانت سيدة في أواخر السبعينات من عمرها، نحيلة القوام، ترتدي ثوباً مطرزاً بلطف.

"أهلاً بكن يا أحبائي! لقد تأخرتما قليلاً"، قالت الجدة أمينة، وهي تحتضن ليلى بحرارة.

"كانت ليلى تتصفح بعض الأشياء القديمة في المكتبة"، قال فاروق، وهو يضع حقيبته.

نظرت الجدة إلى ليلى بعينين ثاقبتين، وكأنها تقرأ ما يدور في ذهنها. "هل وجدتِ ما تبحثين عنه في تلك الأرشيفات الرقمية؟"

شعرت ليلى ببعض الارتباك. "ربما يا جدتي. وجدت بعض المعلومات عن مشاريع قديمة."

"المشاريع القديمة غالباً ما تحمل قصصاً لم تُروَ بعد"، قالت الجدة بهدوء، وهي تشير لهما بالجلوس. "تفضلوا، العشاء جاهز."

جلست ليلى بجانب جدتها، ووالدها قبالتهما. بدأت الجدة تسرد قصصاً عن حياتها في الماضي، عن الأيام التي كانت فيها الشوارع مليئة بالبشر، وليس فقط بالآلات الخدمية. تحدثت عن الأماكن التي كانت تزورها، وعن الأشخاص الذين عرفتهم.

"أتذكر، في أحد الأيام، كنت أعمل كمساعدة في مختبر أبحاث صغير. كان هناك عالم شاب، شاب لامع وطموح، اسمه… فاروق"، قالت الجدة، ناظرة إلى والد ليلى.

تجمد فاروق للحظة، قبل أن يقول بابتسامة خفيفة: "نعم يا أمي، كانت أياماً مضت."

لم تلاحظ ليلى التوتر الخفيف الذي اعتراه، فقد كانت مشتتة. "ما نوع الأبحاث التي كنتم تجرونها يا جدي؟"

تردد فاروق قليلاً قبل أن يجيب. "كنت أعمل في مجال تطوير الأنظمة الذكية، لخدمة البشرية، بالطبع."

"لكنني أتذكر أنه كان هناك مشروع سري جداً في ذلك المختبر"، قالت الجدة أمينة، وعيناها تبدوان وكأنهما تحملان ذكريات بعيدة. "كانوا يتحدثون عن 'الملائكة الآلية'. هل تتذكر يا فاروق؟"

شعرت ليلى بنبض قلبها يتسارع. لقد وصل الأمر إلى عائلتها، إلى والدها.

نظر فاروق إلى جدته، وبدا وكأنه يتجادل مع ذكرياته. "كان ذلك مجرد مشروع تجريبي، أمي. لم يصل إلى مراحله النهائية. كان محفوفاً بالمخاطر."

"لكن أليس كل تقدم محفوفاً بالمخاطر؟" سألت الجدة. "أتذكر أنهم قالوا إنهم يريدون خلق حماة للبشرية، كائنات لا تعرف الخطأ، لا تعرف الشر."

"أمي، نحن نعيش الآن في عالم آمن ومستقر بفضل التكنولوجيا"، قال فاروق بحزم. "هذه الآلات لم تكن سوى فكرة، ربما لم يكن العالم مستعداً لها."

"أو ربما كان العالم مستعداً لها، لكنها كانت مستعدة أكثر مما ينبغي"، همست الجدة، وعيناها تنظران إلى نقطة بعيدة، وكأنها ترى أطياف الماضي.

استمر العشاء في جو من الود، لكن ليلى لم تستطع إخفاء فضولها. كلما رأت والدها، كانت تتذكر الكتاب الذي وجدته. هل كان والدها جزءاً من هذا المشروع؟ وهل كانت "الملائكة الآلية" شيئاً أكثر من مجرد فكرة؟

بعد العشاء، وبينما كان فاروق يتحدث مع والدته، تسللت ليلى إلى غرفة جدتها. كانت الغرفة مليئة بالأشياء القديمة، وكل قطعة كانت تحمل قصة. وبين مجموعة من الصناديق القديمة، وجدت ليلى صندوقاً خشبياً صغيراً. فتحته بحذر، ووجدت بداخله مجموعة من الرسومات. كانت الرسومات تشبه تلك التي رأتها في المكتبة الرقمية – رسومات لكائنات آلية معقدة، تتسم بجمال هندسي لافت.

تحت الرسومات، وجدت ليلى قلادة فضية صغيرة. عندما رفعتها، شعرت ببرودة معدنية لطيفة. كانت القلادة على شكل جناح. جناح صغير، أنيق، وبسيط.

"ما هذا يا ليلى؟"

التفتت ليلى بفزع، لتجد جدتها تقف عند الباب، تنظر إليها بعينين تحملان مزيجاً من الحزن والفهم.

"جدتي، ماذا… ماذا وجدتِ؟" سألت ليلى، وهي تخفي القلادة في يدها.

"هذا الصندوق… كان لوالدكِ عندما كان شاباً"، قالت الجدة أمينة، واقتربت ببطء. "كان يحب الرسم، وكان يحلم بمستقبل يمتزج فيه الفن بالعلم."

"هل… هل كان يرسم الملائكة الآلية؟" سألت ليلى بصوت خافت.

تنهدت الجدة. "كانت تلك فترة صعبة يا ابنتي. والدك كان يمتلك رؤية عظيمة، لكن العالم لم يكن مستعداً لبعض أفكاره. لقد عمل بجد على مشروع… مشروع أراد منه أن يكون إنقاذ البشرية، لكنه انتهى به المطاف ليصبح عبئاً."

"عبئاً؟ كيف؟"

"حينما تمنح قوة كبيرة، تأتي مسؤولية أكبر. والمخاطر تكون دائماً حاضرة. لقد رأى والداكِ، أنتِ وجدكِ، الأوجه المظلمة لهذه التكنولوجيا. لقد قرروا إيقاف كل شيء، لحماية من نحب."

"والدي؟" تساءلت ليلى، متعجبة.

"نعم، والدكِ وشريكته في العمل، والدتكِ. لقد اتخذا قراراً صعباً، قراراً غير مفهوم للكثيرين. لقد اختاروا سلامتنا على المجد."

شعرت ليلى بغصة في حلقها. والدتها، التي توفيت وهي صغيرة، كانت أيضاً جزءاً من هذا؟ كانت قصة عائلتها أكثر تعقيداً مما تخيلت.

"وهذه القلادة؟" سألت ليلى، وهي تخرج القلادة من يدها.

ابتسمت الجدة بحزن. "هذه كانت هدية من والدتكِ لوالدكِ. كانت تطلق عليها اسم 'جناح الأمل'. كانت تؤمن بأن هذه الآلات، إذا تم بناؤها بحب وحكمة، يمكن أن تكون نعمة للبشرية. لقد فقدت والدتكِ، وفقدنا معها ذلك الأمل."

جلست ليلى بجانب جدتها، والقلادة في يدها. شعرت بوزن التاريخ، بوزن الأسرار العائلية. لم تعد "الملائكة الآلية" مجرد أسطورة في أرشيف رقمي، بل أصبحت جزءاً من حكايتها.

"أبي لم يذكر لي شيئاً عن هذا"، قالت ليلى.

"بعض الأعباء يصعب مشاركتها يا ابنتي. والدكِ يحمل الكثير. ولكنه فعل ذلك بدافع الحب. لقد أراد حمايتكِ، حمايتنا جميعاً."

في تلك اللحظة، دخل فاروق الغرفة. "هل كل شيء على ما يرام؟"

نظرت إليه ليلى، ثم إلى جدتها. شعرت وكأنها أصبحت تحمل سراً عظيماً، سراً قد يربطها بوالدها ووالدتها بطريقة لم تتخيلها.

"نعم يا أبي"، قالت ليلى، وهي تضع القلادة في جيبها. "كل شيء على ما يرام."

لكن في داخلها، لم يكن الأمر على ما يرام أبداً. لقد بدأت رحلة البحث عن الحقيقة، رحلة إلى قلب التاريخ، وإلى قلب عائلتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%