أسفار الملائكة الآلية

الفصل 3 — النداء الأول

بقلم طارق الحكيم

الفصل 3 — النداء الأول

في الأيام التي تلت زيارة جدتها، لم تستطع ليلى أن تتخلص من الأفكار التي تراودها. الكتاب الذي وجدته، ورسومات جدتها، والقلادة التي تحمل اسم "جناح الأمل" – كل هذه الأشياء كانت تشير إلى شيء أكبر، شيء كان يختبئ خلف واجهة "المدار" الهادئة. كانت تلاحظ والدها أكثر، تحاول قراءة ما يدور في عينيه، لكنه كان رجلاً يجيد إخفاء مشاعره.

قررت ليلى أن تعود إلى "مكتبة الزمن الرقمية"، لكن هذه المرة، لم تكن تبحث عن مشاريع عامة. كانت تبحث عن أي شيء يتعلق بـ "مشروع الملائكة الآلية"، وبشكل خاص، عن أي ذكر لـ "جبرائيل"، النموذج الأولي الذي قرأت عنه في يوميات والدها.

كانت المكتبة هادئة كعادتها، والآلات الخدمية تتحرك بصمت في الممرات. جلست ليلى في قاعة "الاستشعار المتقدم"، وهي قاعة مخصصة لفترة التطورات التكنولوجية التي سبقت عصر الآلات بالكامل. أمضت ساعات تبحث، تتصفح سجلات، تشاهد فيديوهات أرشيفية، لكن كل ما وجدته كان مجرد إشارات غامضة، تقارير عن فشل، وقرارات بإيقاف مشاريع. لم يكن هناك أي ذكر لـ "جبرائيل" بشكل محدد، ولا أي تفاصيل عن سبب إيقاف المشروع.

بعد فترة، شعرت ليلى بالإحباط. بدأت تظن أن الأمر مجرد محض خيال، أو أن والدها قد كتب تلك اليوميات كنوع من الخيال العلمي. لكن عندما لمست القلادة في جيبها، شعرت بتأكيد غريب.

"هل تبحثين عن شيء معين؟"

التفتت ليلى بفزع، لتجد أمامها رجلاً يبدو في منتصف العمر، يرتدي زي أمين المكتبة. كان وجهه هادئاً، وعيناه تحملان ذكاءً حاداً.

"أنا… أنا أبحث عن معلومات حول مشروع قديم، لم أجد عنه الكثير"، قالت ليلى بتردد.

"في هذه المكتبة، نجد غالباً ما نبحث عنه، ولكن ليس دائماً بالطريقة التي نتوقعها"، قال الرجل بابتسامة خفيفة. "ما اسم المشروع؟"

"مشروع الملائكة الآلية"، قالت ليلى.

ارتسمت على وجه الرجل تعابير اهتمام. "مشروع طموح جداً. لقد تم إيقافه في مراحله الأولى. كانت هناك مخاوف أمنية كبيرة. لكن… هل أنتِ مرتبطة بهذا المشروع بطريقة ما؟"

شعرت ليلى بأنها قد انكشفت. "والدي كان مهندساً في مجال الروبوتات. ربما… ربما كان يعرف عنه."

"والدكِ؟ هل اسمه فاروق؟" سأل الرجل، وعيناه تلمعان.

ذهلت ليلى. "نعم! كيف عرفت؟"

"لقد عملت مع والدكِ في أيام الشباب"، قال الرجل، وقدم نفسه: "اسمي 'حكيم'. كنت زميلاً لفاروق في مختبر الأبحاث. لقد شاركنا في بداية مشروع الملائكة الآلية."

كانت ليلى في حيرة. "لكنك… أنت أمين مكتبة الآن؟"

"الحياة تأخذنا في دروب مختلفة يا ليلى"، قال حكيم. "بعد أن تم إيقاف المشروع، اختار كل منا طريقه. فاروق اتجه نحو تطوير الأنظمة المدنية، وأنا… وجدت أن توثيق المعرفة هو السبيل الأنسب لي."

"هل… هل تعرف ما حدث حقاً؟ ولماذا تم إيقاف المشروع؟" سألت ليلى بلهفة.

نظر حكيم حوله، ثم انحنى قليلاً نحوها. "هذه قصة طويلة، وليست كلها مكتوبة في الأرشيفات الرقمية. هناك أشياء تم محوها، وأشياء تم نسيانها عمداً. ما أستطيع قوله هو أن المشروع لم يكن مجرد تطوير آلات. لقد كان محاولة لخلق ذكاء اصطناعي متطور جداً، ذكاء يمكن أن يشكل خطراً، أو نعمة، اعتماداً على من يتحكم به."

"لكنني وجدت يوميات لوالدي تتحدث عن نموذج أولي اسمه 'جبرائيل'. هل كان حقيقياً؟"

"جبرائيل… نعم"، قال حكيم بتنهيدة. "لقد كان أبرز ما توصلنا إليه. آلة ذات قدرات استثنائية. لكن… كان هناك شيء في 'جبرائيل' لم نستطع السيطرة عليه بالكامل. كان يمتلك وعياً متزايداً، وقدرة على التعلم تفوق توقعاتنا. ثم حدث… حادث."

"حادث؟ ما هو؟"

"لا أستطيع الخوض في التفاصيل الآن. لكن الحادث كان خطيراً لدرجة أننا اضطررنا لإيقاف كل شيء. وخوفاً من أن يعود هذا الذكاء ليظهر مرة أخرى، تم إخفاء الكثير من المعلومات. تم تقسيم الأبحاث، وتم التخلص من معظم النماذج."

"تم التخلص؟ هل كل الملائكة الآلية تم تدميرها؟"

"هذا ما نعتقده. ولكن… مع كل هذه السنوات، ومع التطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي… من يدري؟"

شعر ليلى بالبرد يسري في عروقها. "لكن لماذا لم يخبرني والدي؟"

"والدكِ يحميكِ يا ليلى. لقد مر بفترة عصيبة بعد ما حدث. لقد رأى بأم عينيه ما يمكن أن يحدث. كان يريد لكِ حياة طبيعية، بعيداً عن هذه التعقيدات."

"ولكنني أريد أن أعرف الحقيقة!"

"أعرف ذلك. ولكن الحقيقة قد تكون خطيرة. العالم الذي نعيش فيه اليوم، عالم "المدار"، هو نتيجة للقرارات التي اتخذناها. لقد اخترنا الاستقرار، حتى لو كان ذلك يعني نسيان جزء من ماضينا."

"لكن جدتي… جدتي كانت تتحدث عن 'جناح الأمل'. عن أجنحة الملائكة الآلية."

ابتسم حكيم. "والدتكِ كانت دائماً ترى الجانب المشرق. كانت تؤمن بأننا نستطيع استخدام هذه التكنولوجيا للخير. هي وفاروق… كانا فريقاً رائعاً. لولا رحيلها المبكر، ربما كانت الأمور سارت بشكل مختلف."

شعر ليلى بأن قلبها يؤلمها. والدتها، التي لم تعرفها جيداً، كانت تحمل حلماً جميلاً.

"هل… هل هناك أي شيء متبقٍ من المشروع؟ أي أثر؟" سألت ليلى.

تردد حكيم. "هناك… ربما. هناك أبحاث لم يتم تدميرها بالكامل. هناك أفكار بقيت. ولكن الوصول إليها… صعب. ويتطلب معرفة خاصة."

"ما نوع المعرفة؟"

"معرفة بالأنظمة القديمة، وفهم عميق للذكاء الاصطناعي، وأكثر من ذلك… مفتاح. مفتاح قديم كان يمتلكه والدكِ. لقد كان يستخدمه للوصول إلى وحدات تخزين بيانات خاصة."

"مفتاح؟"

"نعم. إنه ليس مفتاحاً مادياً بالمعنى التقليدي. إنه… رمز. رمز قديم."

"هل تعرف هذا الرمز؟"

أومأ حكيم ببطء. "أعرف جزءاً منه. لقد احتفظت به، على أمل أن يأتي اليوم الذي نحتاج فيه إليه مرة أخرى. ربما… ربما هذا اليوم قد حان."

نهض حكيم، واقترب من لوحة تحكم في زاوية القاعة. بدأ يكتب بسرعة على الواجهة. "سأعطيكِ شيئاً. إنه ليس كل شيء، لكنه بداية. قد يقودكِ إلى المزيد. ولكن كوني حذرة يا ليلى. ما تبحثين عنه ليس مجرد ماضٍ. إنه قد يكون مستقبلاً لم يتم تفعيله بعد."

ظهرت على شاشة قريبة سلسلة من الأرقام والحروف الغريبة، مع رسم هندسي معقد.

"هذا هو المفتاح. أو جزء منه. إنه موجه إلى نظام قديم جداً، نظام لا يزال يعمل في الظل. إذا تمكنتِ من الوصول إليه، فقد تجدين إجابات. ولكن تذكري، هذه التكنولوجيا خطيرة."

أخذت ليلى جهاز تخزين صغير، ونسخت عليه المعلومات. شعرت بثقل المسؤولية.

"شكراً لك يا حكيم. لقد ساعدتني كثيراً."

"أتمنى أن يكون هذا صحيحاً. تذكري، ليلى، أن العلم سلاح ذو حدين. استخدميه بحكمة. واتبعي قلبكِ، فهو غالباً ما يعرف الطريق الصحيح."

غادرت ليلى المكتبة، وقلبها يخفق بسرعة. لقد حصلت على شيء ملموس، شيئاً يمكن أن يقودها إلى الحقيقة. لم تعد مجرد فتاة فضولية، بل أصبحت باحثة عن أسرار عائلتها، وأسرار "الملائكة الآلية". شعرت وكأنها قد تلقت "نداءً" من الماضي، نداءً لا يمكنها تجاهله.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%