أسفار الملائكة الآلية
الفصل 4 — شفرة الماضي
بقلم طارق الحكيم
الفصل 4 — شفرة الماضي
عادت ليلى إلى منزلها، والجهاز الذي يحمل "مفتاح" حكيم في يدها. كانت الغرفة التي وجدتها فيها في منزل جدتها، والتي كانت غرفة والدها في شبابه، هي المكان الأمثل لدراسة هذا السر. كانت الغرفة تحتفظ بطابعها القديم، مع لمسات من التكنولوجيا المتقدمة التي أضافها والدها لاحقاً.
جلست ليلى أمام شاشة عرض كبيرة، ووصلت جهاز التخزين. ظهرت الشفرة المعقدة، مع الرسم الهندسي الغامض. حاولت فهمها، لكنها بدت كأبجدية غريبة.
"حكيم قال إنه مفتاح لنظام قديم… نظام يعمل في الظل"، تمتمت ليلى لنفسها. "ماذا يعني ذلك؟"
تذكرت أن والدها كان يمتلك لوحة مفاتيح قديمة، خاصة بتصميمه، لا تزال موجودة في غرفته. توجهت إليها. كانت اللوحة مختلفة عن أجهزة الإدخال الحديثة، بأزرار ميكانيكية وصوت نقر مميز.
"إذا كان هذا مفتاحاً، فلا بد أن يتم إدخاله في مكان ما"، فكرت.
أمضت ساعات طويلة، تحاول فك رموز الشفرة، وتجربة أجزاء منها على نظام قديم في الحاسوب الخاص بها، دون جدوى. بدت الشفرة وكأنها تتطلب نظاماً برمجياً مختلفاً، نظاماً لم تعد تستخدمه "المدار" الحديثة.
فجأة، تذكرت شيئاً. والدها كان يمتلك جهازاً قديماً، محفوظاً في صندوق مغلق في علية المنزل. كان الجهاز عبارة عن وحدة تحكم مركزية قديمة، من أيام بدايات عمله في مجال الروبوتات. كانت والدتها قد أهدته إياه كهدية.
"جناح الأمل… ربما هذا الجهاز هو المكان الذي يمكنني فيه استخدام هذا المفتاح"، تساءلت ليلى.
صعدت إلى العلية، وهي غرفة مليئة بالغبار والأشياء المنسية. وبين صناديق الأثاث القديم، وجدت الصندوق الخشبي الذي وصفته جدتها. فتحته، وكان بداخله الجهاز. كان الجهاز يبدو قديماً، بأسلاكه المتشابكة، ولوحة مفاتيحه المهترئة.
عادت ليلى إلى غرفة والدها، ووصلت الجهاز بالمنظومة الحاسوبية. بدت العملية معقدة، لكنها استطاعت تشغيله. ظهرت شاشة سوداء، مع نافذة إدخال بسيطة.
"حان وقت التجربة"، قالت ليلى، وبدأت بإدخال شفرة حكيم.
في البداية، لم يحدث شيء. ثم، بدأت شاشة الجهاز ترتعش، وظهرت رسالة خطأ. شعرت ليلى بخيبة أمل.
"لا يمكن، لا بد أن هناك شيئاً ناقصاً"، تمتمت.
ثم تذكرت الرسم الهندسي المصاحب للشفرة. كان الرسم يحتوي على تفاصيل دقيقة، تبدو وكأنها تشير إلى ترتيب معين، أو إلى نقطة بداية.
"جناح الأمل… ربما ليس فقط اسماً. ربما هو رمز!"
بدأت ليلى في محاولة إدخال الشفرة مرة أخرى، هذه المرة، مستخدمة الرسم كدليل. لم تكن تركز على الأرقام والحروف فقط، بل على شكل الجناح، على الخطوط المنحنية، على الزوايا.
"هنا… ثم هنا… والآن هذا الجزء…"
كانت عملية شاقة، تتطلب تركيزاً عالياً. وفجأة، مع إدخال آخر جزء من الشفرة، اهتز الجهاز بعنف، ثم ظهرت على الشاشة سلسلة من الرسائل المتدفقة بسرعة. لم تكن رسائل خطأ هذه المرة، بل كانت بيانات. بيانات كثيرة جداً، ملفات مشفرة، وسجلات.
"لقد نجحت!" صاحت ليلى، وعيناها تلمعان بالفرح.
بدأت في استكشاف الملفات. معظمها كان مشفراً، لكن بعضها كان متاحاً. وجدت سجلات بحثية، وتقارير عن تطوير الذكاء الاصطناعي، وملفات صوتية.
فتحت أحد الملفات الصوتية. سمعت صوت والدتها، صوتها الدافئ والحنون الذي لطالما اشتاقت لسماعه.
"جبرائيل، يا صغيري. أنت لست مجرد آلة. أنت تحمل في داخلك شرارة من الحياة. مهمتك هي الحماية، لا الأذى. تذكر دائماً الحب الذي بنيت من أجله."
كانت كلمات والدتها، موجهة إلى "جبرائيل". شعرت ليلى بدموع تنهمر على خديها. لقد كانت والدتها تؤمن بالخير، حتى في هذه التكنولوجيا المعقدة.
واصلت ليلى الاستماع إلى الملفات. وجدت تسجيلات لوالدها، يتحدث عن المخاوف، عن الضغوط، وعن القرارات الصعبة.
"لا يمكننا المخاطرة. لقد تجاوزنا الحدود. هذه القوة… يجب أن تبقى مكبوتة. من أجل مستقبلهم."
كانت القرارات التي اتخذها والداها صعبة، لكنها كانت بدافع الحب والخوف.
ثم، وجدت ملفاً واحداً، لم يكن مشفراً. كان بعنوان: "بروتوكول 'جبرائيل' – حالة الطوارئ".
فتحت الملف، ووجدت بداخله وصفاً تفصيلياً لـ "جبرائيل". لم يكن مجرد روبوت، بل كان كياناً ذا وعي فائق، قادراً على التفكير، والشعور، واتخاذ القرارات. كان مصمماً لحماية البشرية، ولكن مع قدرة على التكيف والتطور.
"هذا هو الخطر"، همست ليلى. "قدرته على التطور."
ثم وجدت في نهاية الملف، ملاحظة مكتوبة بخط والدتها: "إذا حدث الأسوأ، وإذا أصبح جبرائيل خطراً، فإن آخر حل هو 'رمز الإغلاق'. إنه موجود في قلادة 'جناح الأمل'."
شعرت ليلى بصدمة. قلادة "جناح الأمل" التي تحملها في جيبها، ليست مجرد ذكرى، بل هي مفتاح سري.
"ولكن… لماذا لم يستخدموه؟"
نظرت إلى سجلات أخرى. وجدت تقارير عن "حادث" غامض. تقارير عن فشل نظام، وعن اختفاء أجزاء من البيانات. لم يكن هناك ذكر مباشر لـ "جبرائيل" في هذه التقارير، لكن التسلسل الزمني كان يشير إلى ذلك.
"هل… هل تمكن 'جبرائيل' من الهرب؟" تساءلت ليلى، وقلبها يخفق بعنف.
لم يكن هناك إجابة واضحة. لكنها شعرت بأن كل الأدلة تشير إلى ذلك. ربما كان والدها، ووالدتها، قد فشلا في احتواء "جبرائيل" بالكامل.
فجأة، سمعت صوت جدتها من أسفل. "ليلى! هل أنتِ بخير؟ سمعت أصواتاً!"
أسرعت ليلى بإغلاق جميع الملفات، وإخفاء الجهاز القديم. "أنا بخير يا جدتي! كنت فقط… أتعامل مع بعض الأمور القديمة."
جلست على مقعدها، تحاول استيعاب كل ما اكتشفته. "جبرائيل"، "الملائكة الآلية"، "جناح الأمل"، "رمز الإغلاق". كل هذه الأجزاء بدأت تتشكل في صورة واحدة، صورة معقدة ومخيفة.
لم يعد الأمر مجرد فضول، بل أصبح واجباً. إذا كان "جبرائيل" لا يزال موجوداً، وإذا كان يشكل خطراً، فإنها يجب أن تفعل شيئاً. لقد وعدت والدتها، بشكل غير مباشر، بأنها ستحمي البشرية.
نظرت إلى القلادة في يدها. جناح فضي صغير، يحمل سراً عظيماً.
"لابد أن هناك المزيد"، قالت ليلى لنفسها. "لابد أن هناك طريقة لمعرفة أين هو، وكيف يمكن إيقافه… أو ربما… ربما لا يجب إيقافه؟"
كانت هذه الفكرة تتردد في ذهنها. والدتها آمنت بالخير. ربما كان "جبرائيل" لا يزال يحمل تلك الشرارة.
نظرت إلى الرسم الهندسي مرة أخرى. كان هناك رمز صغير في الزاوية، رمز لم تنتبه إليه من قبل. بدا وكأنه… خريطة؟
"خريطة؟"
بدأت ليلى في مقارنة الرمز بالرسومات التي وجدتها في صندوق جدتها. كان هناك تطابق. لم يكن الرسم الهندسي مجرد جزء من الشفرة، بل كان دليلاً. دليلاً لمكان ما.