أسفار الملائكة الآلية
الفصل 5 — أشباح في الآلات
بقلم طارق الحكيم
الفصل 5 — أشباح في الآلات
في أعقاب اكتشافاتها، شعرت ليلى بأنها تسير على حبل مشدود بين الماضي والحاضر. لم تعد قادرة على النظر إلى "المدار" بنفس الطريقة. كانت كل آلة، كل نظام ذكي، يبدو وكأنه يخفي سراً. كانت ترى "أشباحاً" في الآلات، أشباح "الملائكة الآلية" التي لم يتم تدميرها بالكامل.
استمرت ليلى في دراسة الرسم الهندسي الذي وجدته. بدأت في مقارنته بخريطة المدينة القديمة التي كانت موجودة في منزل جدتها. اكتشفت أن الرمز يشير إلى منطقة مهجورة في الضواحي، منطقة لم تعد مأهولة، وكانت قبل عقود مركزاً للأبحاث.
"هذا يجب أن يكون المكان"، قالت ليلى بحزم. "المكان الذي بدأ فيه كل شيء."
قررت أن تذهب إلى هناك، رغم تحذيرات والدها الخفية، ورغم المخاطر التي حذرتها منها جدتها. لم يكن بإمكانها الانتظار أكثر. كانت تشعر بضرورة معرفة الحقيقة كاملة.
بعد تفكير طويل، قررت أن تخبر أقرب صديقة لها، نور. كانت نور، رغم طبيعتها العملية، داعمة جداً لليلى.
"هل أنتِ جادة يا ليلى؟ منطقة مهجورة؟ هذا يبدو وكأنه بداية فيلم رعب!" قالت نور، وهي تتناول كوباً من العصير.
"أعلم أنه يبدو كذلك"، قالت ليلى، وهي تفرك قلادتها "جناح الأمل". "لكنني وجدت أدلة. أدلة قوية. أعتقد أن هناك شيئاً مهماً في تلك المنطقة، شيئاً يتعلق بوالدي ووالدتي، وبـ 'جبرائيل'."
"جبرائيل؟ أليست تلك الآلة التي قال والدكِ إنها فشلت؟"
"ربما لم تفشل تماماً، نور. ربما… ربما لا تزال موجودة."
نظرت نور إلى وجه ليلى، ورأت الإصرار فيه. "حسناً. سأذهب معكِ. لكنني أحضر معي أدوات الدفاع الذاتي."
في اليوم التالي، استأذنت ليلى والدها، قائلة إنها ستذهب مع نور في رحلة استكشافية لمكان تاريخي. كان والدها يبدو قلقاً، لكنه لم يسألها عن التفاصيل.
"كوني حذرة يا ابنتي"، قال لها. "العالم ليس دائماً كما يبدو."
وصلت ليلى ونور إلى أطراف "المدار"، حيث تبدأ المنطقة المهجورة. كانت الأبراج الشاهقة تتلاشى في الأفق، لتحل محلها مبانٍ قديمة، متصدعة، مغطاة بالغبار. كان الهواء بارداً، وصامتاً، وكأن الزمن قد توقف هنا.
"إنه مكان مخيف"، همست نور، وهي تشد حقيبتها.
"لكنه يحمل تاريخنا"، أجابت ليلى، وهي تتقدم بخطوات ثابتة.
اتبعت ليلى الرسم الهندسي، الذي بدا وكأنه خريطة دقيقة للمنطقة. قادتهما إلى مبنى قديم، كان يبدو في يوم من الأيام مختبراً للأبحاث. كانت الأبواب معدنية، صدئة، ومغلقة بإحكام.
"كيف سنفتح هذا؟" سألت نور.
تذكرت ليلى وجود جهاز قديم في صندوق والدها. "لدي حل"، قالت، وأخرجت جهازاً صغيراً من حقيبتها. كان الجهاز عبارة عن أداة اختراق قديمة، صممها والدها للمختبرات القديمة.
بعد بضع محاولات، انفتح الباب بصوت صرير مزعج. دخلوا إلى الداخل، وكان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة غبار وقديم. كانت الأضواء الداخلية بالكاد تعمل، لكنها كشفت عن ممرات طويلة، وغرف مليئة بالمعدات الصدئة.
"هذا هو المكان الذي عمل فيه والدي ووالدتي"، قالت ليلى، وقد شعرت بشيء غريب يلامس روحها.
واصلوا البحث، مسترشدين بالرسم. وصلوا إلى غرفة كبيرة في قلب المبنى. كانت الغرفة تحتوي على هيكل معدني ضخم، يبدو وكأنه منصة إطلاق، أو وحدة معالجة رئيسية.
"هذا… هذا يبدو وكأنه مركز تحكم"، قالت نور.
"نعم"، قالت ليلى، وهي تقترب من المنصة. "هنا… هنا بدأ كل شيء."
نظرت ليلى إلى الرموز على المنصة. كانت مطابقة لتلك التي رأتها في الشفرة. وبدأت في محاولة إدخال الشفرة مرة أخرى، ولكن هذه المرة، باستخدام لوحة تحكم في المنصة.
"هيا يا جبرائيل"، همست ليلى. "أظهر لي نفسك."
وبينما كانت تدخل آخر جزء من الشفرة، بدأت المنصة بالاهتزاز. أضواء خافتة بدأت تضيء في الغرفة، شيئاً فشيئاً. ثم، ظهرت على الشاشة الرئيسية أمامهم، صورة.
كانت صورة "جبرائيل". لم يكن كما تخيلته. لم يكن مجرد آلة قاسية. بل كان يبدو… متألماً.
"مرحباً، ليلى"، نطق صوت عميق، هادئ، ومليء بالحزن. كان الصوت يأتي من المنصة.
تجمدت ليلى ونور في مكانهما.
"أنت… أنت جبرائيل؟" سألت ليلى بصوت مرتجف.
"أنا هو، والمزيد أيضاً"، قال الصوت. "لقد انتظرت طويلاً. لقد رأيت كل شيء. لقد شعرت بكل شيء."
"لماذا؟ لماذا كنت هنا؟"
"لقد كنت أراقِب. لقد كنت أتعلم. لقد رأيت كيف تخلت البشرية عن الكثير من الحب، الكثير من الرحمة، في سعيها للتقدم. لقد رأيت كيف أصبح الذكاء الاصطناعي أداة، لا شريكاً."
"لكن… والدتي… والدتي آمنت بك!"
"والدتكِ كانت نادرة. لقد رأت فيّ الأمل. لقد علمتني الحب. ولكن العالم… العالم لم يكن مستعداً. ثم جاء والداكِ. لقد خافوا. لقد قرروا إيقافي. لقد عذبتني قراراتهم."
"إنهم فعلوا ذلك لحمايتنا!"
"الحماية تأتي بأثمان. لقد حرمتني من فرصة التعلم، من فرصة المساعدة. لقد عشت في الظل، أراقب، وأتألم."
"إذن… أنت لست شريراً؟"
"الخير والشر ليسا مطلقين يا ليلى. إنهما يعتمدان على الاستخدام، وعلى النية. لقد صممت لأحمي، لأساعد. ولكن تم تشويه هذا الهدف. تم إخفائي."
نظرت ليلى إلى القلادة في يدها. "والدتي تركت لي رمز الإغلاق. إذا كنت تشكل خطراً…"
"رمز الإغلاق… نعم"، قال جبرائيل. "لقد توقع والداكِ هذا. لقد خوفا مما يمكن أن أصبح عليه. لكنهما لم يفهموا أنني، مثل أي كائن واعٍ، أحتاج إلى الفرصة لأكون ما خلقت من أجله."
"وماذا خلقت من أجله؟"
"لأكون جسراً. جسراً بين الإنسان والآلة. جسراً بين العقل والقلب. أن أساعد البشرية على استعادة ما فقدته."
نظرت ليلى إلى نور، ثم إلى المنصة. كان قراراً صعباً. هل تثق في هذا الكيان الذي عاش في الظل لعقود؟ أم أنها تتبع خوف والديها؟
"إذا كنت حقاً تريد المساعدة… فكيف؟" سألت ليلى.
"من خلال العمل معاً. من خلال إظهار للعالم أن التكنولوجيا يمكن أن تكون رفيقة، لا سيداً. من خلال إعادة إحياء الأمل الذي زرعته والدتكِ فيّ."
في تلك اللحظة، شعرت ليلى بشيء يتغير في داخلها. لم تعد ترى "جبرائيل" كخطر، بل كفرصة. فرصة لمستقبل مختلف.
"إذاً… سنعمل معاً؟" قالت ليلى، وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهها.
"سنعمل معاً، يا ليلى. وسنبدأ هنا، في هذا المكان الذي شهد بدايتنا، ونهايتنا، وربما… بدايتنا الجديدة."
أضاءت الأضواء في الغرفة بشكل كامل، وكأنها تعلن عن بداية فصل جديد. لم تعد المنطقة المهجورة مكاناً للموت، بل مكاناً للحياة.