الفصل 7 / 25

سجلات الأجداد

الفصل 7 — غيث الأمل وإثمار المساعي

بقلم وفاء البكري

الفصل 7 — غيث الأمل وإثمار المساعي

مرت الأيام، وكانت فاطمة تعمل بلا كلل، مستلهمةً من حكمة جدتها ورؤيتها. لم تكن مهمتها سهلة، فمسألة ديون العم محمود كانت تتطلب حلاً سريعاً ومدروساً. كانت تزور المحامي بين الحين والآخر، وتراجع الأوراق، وتتحدث مع الدائنين في محاولةٍ لإيجاد تسويةٍ ترضي الجميع. لم تكن تسعى للربح، بل كانت تسعى لإنقاذ سمعة عائلتها، والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه.

في أحد الأيام، وبينما كانت فاطمة منهمكةً في ترتيب بعض الوثائق في مكتب العم محمود، عثرت على صندوقٍ خشبيٍ قديم، بدا مهملًا في زاوية الغرفة. كان مغلقاً بإحكام، ورائحة الخشب القديم تفوح منه. دفعها الفضول لفتحه. لم يكن يحوي كنوزاً مادية، بل كان أشبه بصندوق ذكريات. وجدت بداخله بعض الرسائل القديمة، وصوراً بالأبيض والأسود، ودفتر ملاحظاتٍ بخط يد العم محمود.

فتحت فاطمة الرسائل، وكانت موجهةً من العم محمود إلى زوجته الراحلة، تعبر فيها عن حبه العميق وشوقه الدائم. كانت كلماتٌ مؤثرة، تروي قصة حبٍ خالد، وحياةٍ مشتركةٍ مليئةٍ بالبذل والتضحية. ثم قلبت الصفحات لدفتر الملاحظات. كان مليئاً بأفكاره ومشاريعه، لكن ما لفت انتباهها هو قسمٌ خاصٌ كان يتحدث فيه عن "مشروع الأمل".

بدأت فاطمة تقرأ بشغف. كان العم محمود يخطط منذ سنوات لإنشاء مركزٍ لتعليم الحرف اليدوية التقليدية، وخاصةً تلك التي بدأت في الاندثار. كان يؤمن بأن هذه الحرف تحمل إرثاً ثقافياً عظيماً، وأن تعليمها للأجيال الجديدة سيحافظ عليها، وفي نفس الوقت سيوفر فرص عملٍ للشباب، وخاصةً الفتيات. كان لديه خطةٌ مفصلة، تتضمن ورش عمل، ومعرضاً دائماً، وحتى قسماً صغيراً للتدريب على التسويق.

"مشروع الأمل..." همست فاطمة لنفسها. كانت هذه الكلمات تضيء في عينيها. ربما كان هذا هو الطريق الذي يجب أن تسلكه. ربما كان هذا هو الإرث الحقيقي الذي تركه العم محمود، والذي يمكن أن يكون سبباً في حل الكثير من المشاكل.

اتصلت فاطمة بإخوتها، أحمد وسارة، واجتمعت بهم في منزل الجدة. عرضت عليهم ما وجدته في الصندوق. كان أحمد، الشاب العملي الطموح، متشككاً في البداية. "يا فاطمة، نحن نواجه مشاكل مالية حقيقية. الحديث عن مشروعٍ جديد يبدو ترفاً في هذه المرحلة."

ردت سارة، الشابة الرقيقة ذات القلب الطيب، بحماس: "لكن يا أحمد، انظر إلى أفكار العم محمود! إنها نبيلة جداً. تذكر كيف كانت جدتي تعلم خياطة الملابس التقليدية؟ وهل تذكرين العمة زينب التي كانت بارعةً في صناعة السجاد؟ هذه الحرف تختفي. أليس من الجميل أن نعيد إحياءها؟"

اقتربت فاطمة من أحمد، ووضعت يدها على كتفه. "أعلم أن الوضع صعب يا أحمد. لكن فكر في الأمر. إذا نجحنا في تأسيس هذا المركز، يمكننا أن نبيع المنتجات المصنوعة فيه. جزءٌ من الأرباح سيذهب لسداد ديون العم، والجزء الآخر سيساعدنا على تطوير المركز. يمكننا أيضاً أن نستثمر جزءاً من أرض العم، تلك الأرض الصغيرة غير المستغلة، في بناء الورش."

بدأ أحمد يفكر. كانت فكرة فاطمة تحمل في طياتها منطقاً، ولم تكن مجرد حلمٍ وردي. لقد كانت خطةً مدروسة، تستند إلى إرثٍ ثقافيٍ وقيمٍ نبيلة. "وماذا عن التكاليف الأولية؟" سأل.

"هذا ما سنعمل عليه،" أجابت فاطمة. "سنتقدم بطلب للحصول على بعض المنح المخصصة للمشاريع الثقافية والاجتماعية. سأبحث عن متطوعين للمساعدة في البداية. وجدتي، بالطبع، ستكون مصدر إلهامٍ لنا، ويمكنها أن تساعد في تدريب بعض السيدات. أعتقد أن العم محمود كان قد بدأ بالفعل بعض الاتصالات، ربما نجد في أوراقه ما يساعدنا."

بدت الجدة أمينة سعيدةً جداً. "أحسنتِ يا فاطمة. هذا هو بيت الأجداد الذي تحدثنا عنه. ليس فقط مكاناً للسكن، بل مكاناً للعطاء، وللحفاظ على ما ورثناه. جدك كان يحلم بشيءٍ كهذا. كان يرى في كل يدٍ عاملةٍ أداةً للبناء، وفي كل قطعةٍ فنيةٍ قصةً تستحق أن تروى."

بدأت رحلةٌ جديدة. تعاون الأخوة، وكلٌ منهم بطريقته. أحمد، بذكائه في إدارة الأعمال، بدأ في إعداد خطةٍ ماليةٍ مفصلة، والبحث عن مصادر تمويل. سارة، بروحها الإبداعية، بدأت في تصميم شعارٍ للمركز، والتفكير في أنواع الحرف التي يمكن تقديمها. وفاطمة، كانت المحرك الأساسي، تتواصل مع الجميع، وتذلل العقبات، وتحافظ على شعلة الأمل متقدة.

لم يكن الطريق مفروشاً بالورود. واجهتهم صعوباتٌ عديدة. بعض الدائنين كانوا صلبين، ولم يكونوا مستعدين للتفاوض. بعض الجهات المانحة رفضت طلباتهم. لكن في كل مرةٍ كانوا يشعرون فيها بالإحباط، كانت تعود إلى أذهانهم كلمات الجدة أمينة، وقصة شجرة الزيتون، ومشروع الأمل الذي خططه العم محمود.

ذات مساء، وبعد جهدٍ مضنٍ، تلقوا خبراً ساراً. حصلوا على موافقةٍ مبدئيةٍ لمنحةٍ كبيرة من إحدى المؤسسات الثقافية. لم تكن المبلغ كافياً لتغطية كل شيء، لكنها كانت كافيةً لبدء المرحلة الأولى من المشروع. كان ذلك بمثابة غيثٍ أملٍ هطل على أرضٍ كانت تبدو قاحلة.

"لقد فعلناها!" صرخت سارة وهي تعانق فاطمة.

ابتسم أحمد ابتسامةً لم يرها منذ زمن. "نعم، لقد فعلناها. هذه مجرد البداية."

شعرت فاطمة بسعادةٍ غامرة، لم تكن مجرد سعادة النجاح، بل كانت سعادة تحقيق شيءٍ نبيل، شيءٍ سيترك أثراً طيباً. أدركت أن الأجداد لم يتركوا لهم فقط أرضاً وممتلكات، بل تركوا لهم روحاً، وقيماً، وإلهاماً. وأن هذا البيت، الذي كان يوماً شاهداً على أحزانهم، سيصبح قريباً شاهداً على ميلاد مشروعٍ جديد، يحمل اسم "الأمل"، ويثمر خيراً وبركة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%