الفصل 9 / 25

سجلات الأجداد

الفصل 9 — صروح الأمل وبناء المستقبل

بقلم وفاء البكري

الفصل 9 — صروح الأمل وبناء المستقبل

بعد لقاء العم أحمد، اكتسبت فاطمة وإخوتها دفعةً معنويةً كبيرة. أصبحت رؤيتهم لمشروع "بيت الأجداد للحرف اليدوية" أكثر وضوحاً وتحديداً. لم يعد مجرد فكرةٍ لمعالجة الديون، بل أصبح مشروعاً ثقافياً واجتماعياً طموحاً، يحمل في طياته أمانة الأجداد.

بدأت المرحلة الأولى من التنفيذ. تم تخصيص جزءٍ كبيرٍ من المنزل القديم، الذي كان بحاجةٍ إلى بعض الترميمات، ليصبح ورش عملٍ ومعرضاً. تطوع أحمد بإدارة عمليات الترميم، مستعيناً ببعض العمال المهرة من القرية. سارة، بتصميمها الإبداعي، بدأت في تزيين المكان، واختيار الألوان التي تعكس دفء التراث الأصيل. فاطمة، بقوة إرادتها، نسقت مع الجهات المانحة، وتواصلت مع الحرفيين القدامى في القرية، والذين كانوا قد احتفظوا بمهاراتهم رغم قلة الفرص.

كانت الجدة أمينة، رغم تقدمها في السن، حاضرةً بقلبها وروحها. كانت تجلس لساعاتٍ في إحدى الزوايا، وتشرف على سير العمل، وتقدم نصائحها القيمة. في بعض الأحيان، كانت تجلس مع سيدات القرية الكبيرات، وتستحضر معهن ذكريات أيام الصبا، وكيف كن يتقنّ صناعة السجاد، أو تطريز الملابس، أو نسج الخيوط.

"تذكرن يا أخواتي،" كانت تقول بصوتٍ مفعمٍ بالحنين، "كانت كل غرزةٍ نضعها، وكل قطعةٍ ننسجها، تحمل دعاءً. كنا نضع الحب في كل شيء، وكان هذا الحب هو ما يجعل منتجاتنا مميزة."

هذه الكلمات كانت بمثابة الوقود الذي يشعل شغف السيدات. بدأت مجموعةٌ من حوالي عشر سيدات، أغلبهن تجاوزن الستين من العمر، في التطوع للمشاركة في المشروع. كنّ يجتمعن في الورشة، يتشاركن أطراف الحديث، ويسترجعن أيام مجدهن، ويبدأن في نقل خبراتهن إلى الأجيال الشابة.

كانت فاطمة وسارة تحرصان على وجود مجموعةٍ من الفتيات الشابات في الورشة. كانت هذه الفتيات، اللواتي نشأن في عصر التكنولوجيا الحديثة، ينظرن في البداية إلى هذه الحرف القديمة بنوعٍ من الغرابة. لكن مع مرور الوقت، وبفضل صبر السيدات الكبيرات، وبفضل شغف فاطمة وسارة، بدأت الفتيات يشعرن بالانبهار. رأين الجمال في كل غرزةٍ، وسمعن القصص في كل نقشٍ.

"يا جدتي،" قالت إحدى الفتيات، واسمها ليلى، للجدة أمينة، وهي تحمل قطعة سجادٍ صغيرة بدأت بتطريزها، "لم أكن أعرف أن صناعة السجاد بهذه الدقة. إنها تتطلب صبراً هائلاً."

ابتسمت الجدة أمينة. "الصبر يا ابنتي هو مفتاح كل شيءٍ جميل. والأهم من ذلك، أن تعملي بقلبك. عندما تضعين حبك في عملك، سيظهر هذا الحب في النتيجة النهائية. هذا السجاد، عندما ينتهي، لن يكون مجرد قطعةٍ تزين غرفة، بل سيكون قطعةً تحمل قصة، وتحمل روح جدتك التي علمتك."

كانت هناك لحظاتٌ من التحدي. لم يكن كل شيءٍ يسير بسلاسة. كانت هناك صعوباتٌ في الحصول على بعض المواد الخام. بعض الفتيات كنّ يمللن بسرعة، ويعدن إلى هواتفهن. لكن في كل مرةٍ كانوا يواجهون فيها عقبة، كانوا يتذكرون الهدف الأسمى.

أحمد، في جانب إدارة الأعمال، نجح في عقد شراكةٍ مع بعض المحلات التجارية الراقية في المدينة، لعرض منتجات "بيت الأجداد". كما قام بتصميم موقعٍ إلكترونيٍ بسيطٍ لعرض المنتجات، وتلقي الطلبات. بدأت المنتجات تلقى إقبالاً، وخاصةً الأوشحة المنسوجة يدوياً، والسجاد الصغير، والمشغولات الخشبية المزينة بالنقوش العربية.

لم تكن الأرباح كبيرة في البداية، لكنها كانت كافيةً لتغطية تكاليف المواد الخام، ودفع رواتب متواضعة للسيدات الكبيرات اللواتي كنّ يتفرغن للتدريس. الأهم من ذلك، أن المشروع بدأ يحقق أثراً اجتماعياً ملموساً. عادت البسمة إلى وجوه السيدات الكبيرات، وشعرن بأنهن ما زلن قادراتٍ على العطاء والمساهمة. اكتسبت الفتيات الشابات مهاراتٍ جديدة، وشعرن بالانتماء إلى تراثهن.

في إحدى الأمسيات، وبعد اكتمال المرحلة الأولى من تجهيز الورشة والمعرض، أقامت العائلة حفلاً صغيراً دعوا فيه بعض أهالي القرية، وبعض ممثلي الجهات المانحة. كان المكان مفعماً بالحياة. عرضت المنتجات الجميلة، وتعالت ضحكات السيدات، ومرت الفتيات الشابات وهن يحملن بعض أعمالهن.

وقفت فاطمة وسط الحضور، وشعرت بفخرٍ كبير. نظرت إلى جدتها، التي كانت تجلس مبتسمةً، تشاهد هذا المشهد الذي كان حلماً بعيداً قبل بضعة أشهر. نظرت إلى أخيها أحمد، الذي كان يتحدث بحماسٍ مع أحد رجال الأعمال. نظرت إلى أختها سارة، التي كانت ترشد إحدى الزائرات في المعرض.

"اليوم،" قالت فاطمة بصوتٍ مسموع، وهي تتقدم نحو الميكروفون، "نحتفل ببداية فصلٍ جديد. فصلٌ لم يكن ليتحقق لولا إرادة الله، ثم إرادة أجدادنا الذين زرعوا فينا حب الأرض والتراث. هذا المكان، 'بيت الأجداد للحرف اليدوية'، ليس مجرد بناء، بل هو صرحٌ للأمل، ومكانٌ لبناء المستقبل. إنه تجسيدٌ لقيم العمل، والإتقان، والحفاظ على ما ورثناه. وأنا أؤمن بأن هذا البيت سيظل ينمو ويزهر، وسيظل مثالاً يحتذى به، كما كانت أجدادنا مثالاً لنا."

انتهت فاطمة من حديثها وسط تصفيقٍ حار. شعرت بأنها قد أدت جزءاً من رد الجميل لأولئك الذين سبقوها. لم تعد تشعر بثقل الديون، بل شعرت بثقل المسؤولية، مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث، وتطويره. لقد بدأت صروح الأمل تُبنى، وبدأ مستقبلٌ مشرقٌ يلوح في الأفق، مستقبلٌ مستمدٌ من جذور الماضي العريق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%