دموع في زمن الحزن
الفصل 12 — ظلال الماضي وصوتٌ من بعيد
بقلم هند الزهراني
الفصل 12 — ظلال الماضي وصوتٌ من بعيد
عادت فاطمة إلى المنزل، وقلبها يخفقُ بوعودٍ جديدة. لم تعد تشعر بالوحدة التي كانت تخيم عليها في الأيام الماضية. لقد وجدت في أمينة، تلك المرأة العجوز البسيطة، ملاذًا للحقيقة، وبصيصًا من نورٍ يرشدها في دروبٍ كانت تبدو مظلمةً وغير واضحة. الورقة التي تحملُ رسم الزهرة، لم تعد مجرد رسمٍ عشوائي، بل أصبحت مفتاحًا، بوابةً نحو عالمٍ موازٍ من الذكريات والأسرار التي لم تكن تعلم بوجودها.
في الأيام التالية، أصبحت فاطمة تزور أمينة بشكلٍ منتظم. كانتا تجلسان لساعاتٍ طويلة، تتحدثان عن والدها، وعن الأيام الخوالي. كانت أمينة، بذاكرتها الفولاذية، تستحضر تفاصيل دقيقةً عن حياة الأستاذ أحمد، عن شغفه بالفن، وعن قلقه المتزايد في الفترة الأخيرة من حياته. "كان دائمًا ما يتحدث عن 'صندوقٍ أسود' خاص به،" قالت أمينة ذات يوم، بينما كانت تنظم بعض اللوحات القديمة، "قال إنه يحتفظ فيه بأثمن ما لديه، وبأسرارٍ لا يمكن أن يعرفها أحدٌ سواه. لم أعرف أين هو هذا الصندوق، ولم أكن أجرؤ على سؤاله."
كلمة "صندوق" ترددت في أذني فاطمة. هل هذا هو الصندوق الذي كان والدها يتحدث عنه في وصيته؟ هل كل الألغاز تدور حول هذا الصندوق؟ ازدادت حيرتها، لكن إصرارها على كشف الحقيقة كان ينمو مع كل يومٍ يمر. بدأت فاطمة تفكر بشكلٍ أعمق في طبيعة عمل والدها، وفي الأشخاص الذين كان يتعامل معهم. كانت تعلم أنه كان يعمل في مجالٍ يتعلق بالآثار والتراث، وكان له ارتباطاتٌ ببعض المؤسسات الثقافية القديمة في المدينة.
في إحدى الليالي، بينما كانت فاطمة تتصفح ألبوم صورٍ قديمٍ لوالدها، وقع بصرها على صورةٍ لوالدها وهو يقف بجانب رجلٍ آخر، كلاهما يبتسمان أمام مبنى قديمٍ مهيب. كان المبنى يبدو مهجورًا، لكنه كان يحملُ طابعًا معماريًا فريدًا. لم تتعرف فاطمة على الرجل الآخر، لكنها شعرت بأن هذه الصورة قد تحملُ مفتاحًا آخر. سألت أمينة عن الصورة، وعن الرجل الذي بجانب والدها.
"آه، هذا الأستاذ سامي،" قالت أمينة بتنهيدةٍ عميقة، "كان صديقًا قديمًا للأستاذ أحمد، وشريكًا له في مشروعٍ كبيرٍ كانا يحلمان بتحقيقه. كانا يعملان على إنشاء متحفٍ خاصٍّ للفنون الشعبية، يجمعُ كل ما هو أصيلٌ ونادرٌ من تراثنا. لقد كانا شغوفين بهذا المشروع. لكن… حدث شيءٌ ما، شيءٌ غيّر كل شيء."
توقفت أمينة للحظة، وكأنها تستجمع شجاعتها لمواصلة الحديث. "توفي الأستاذ سامي في حادثٍ غامضٍ قبل سنواتٍ قليلة،" قالت بصوتٍ حزين، "وكان الأستاذ أحمد بعدها قد انزوى على نفسه، وأصبح يتجنبُ الناس. لقد شعر بخسارةٍ فادحة، وفقد شغفه بكل شيء. أعتقد أن وفاة سامي كانت ضربةً قاصمةً له."
شعرت فاطمة ببرودةٍ تسري في عروقها. حادثٌ غامض؟ هل هناك علاقةٌ بين وفاة سامي وبين اختفاء والدها الغامض؟ بدأت الصورة تتضح ببطء، لكنها كانت تحملُ ظلالًا داكنةً ومخيفة. هل كان والدها في خطر؟ هل كان يحاولُ حماية شيءٍ ما؟
في تلك الليلة، وبعد أن غادرت فاطمة منزل أمينة، بينما كانت تسير في شارعٍ هادئٍ وسط أضواء أعمدة الإنارة الخافتة، سمعت صوتًا يناديها من بعيد. استدارت فاطمة، لتجد رجلاً يرتدي قبعةً ويحاول إخفاء وجهه. كان يقف في الظل، بالقرب من زقاقٍ ضيق.
"فاطمة… ابنة الأستاذ أحمد؟" قال الرجل بصوتٍ خشنٍ ومجهول.
شعرت فاطمة بالخوف يتسلل إليها. لم يكن هذا الصوت مألوفًا، ولم تكن تعرف من يكون هذا الرجل. سألته بصوتٍ مرتعش: "من أنت؟ وماذا تريد؟"
اقترب الرجل خطوةً، لكنه ظل في الظل. "أعرفُ أنكِ تبحثين عن الحقيقة،" قال، "وأعرفُ أنكِ تحاولين فهم ما حدث لوالدك. والدكِ لم يختفِ، بل كان يحاولُ إخفاء شيءٍ ثمينٍ جدًا، شيءٌ قد يغيرُ مجرى التاريخ."
اتسعت عينا فاطمة. "ماذا تقصد؟" سألت بلهفة، "ما هو هذا الشيء؟"
"إنه إرثٌ كبير،" أجاب الرجل، "إرثٌ كان والدكِ يحاولُ حمايته من الأيدي الخاطئة. لقد كانا هو والأستاذ سامي على وشك اكتشافِ كنزٍ أثريٍّ عظيم، كنزٌ يعودُ إلى حقبةٍ زمنيةٍ قديمةٍ جدًا، ويكشفُ عن جانبٍ مجهولٍ من تاريخنا. لكن هناك من كان يطمعُ في هذا الكنز، ومن كان مستعدًا لفعل أي شيءٍ للحصول عليه."
شعر قلب فاطمة بأنه سيتوقف. كنزٌ أثري؟ هل هذا هو السر الذي كان والدها يخفيه؟ سألت الرجل بسرعة: "ومن هم هؤلاء الأشخاص؟ وماذا حدث لوالدي؟"
"لا أستطيعُ أن أخبركِ بالكثير الآن،" قال الرجل، "الأمرُ خطيرٌ جدًا. لكن والدكِ ترك لكِ دليلًا. دليلًا سيقودكِ إلى الحقيقة. ابحثي عن 'الصندوق الأسود' الذي كانت تتحدثُ عنه السيدة أمينة. فيه ستجدين كل ما تحتاجين إليه. وتذكري، لا تثقي بأحدٍ بسهولة، فالخطرُ يحيطُ بكِ."
قبل أن تتمكن فاطمة من طرح المزيد من الأسئلة، اختفى الرجل في الظلام، تاركًا إياها وحدها في الشارع، وقلبها يضطربُ بعنف. لقد تلقت فاطمة معلوماتٍ صادمةً ومفاجئة. لم تعد الأمور مجرد ألغازٍ عائلية، بل أصبحت قضيةً تتعلقُ بالتاريخ، وبالتراث، وبالخطر.
شعرت بأنها تقفُ على مفترق طرقٍ حاسم. هل ستستسلمُ للخوف، أم ستواجهُ الحقيقة مهما كانت مؤلمة؟ في تلك اللحظة، نظرت إلى السماء المليئة بالنجوم، وكأنها تبحثُ عن إجاباتٍ بين أضواء الكون. تذكرت كلمات والدها في رسالته: "ثقي بحدسكِ، وقوةِ قلبكِ."
قررت فاطمة ألا تستسلم. لقد حملت على عاتقها مهمةً لم تكن تتخيلها يومًا، مهمةً ورثتها عن والدها. مهمةٌ استعادةُ الحق، وكشفُ الحقيقة، وحمايةُ ما هو ثمينٌ وغالٍ. أدركت فاطمة أن رحلتها لم تكن مجرد بحثٍ عن والدها، بل أصبحت رحلةً لكشفِ سرٍّ كبيرٍ قد يغيرُ نظرتها إلى الماضي، وإلى هويتها.