دموع في زمن الحزن
الفصل 14 — رحلةٌ نحو المجهول ورمزٌ ضائع
بقلم هند الزهراني
الفصل 14 — رحلةٌ نحو المجهول ورمزٌ ضائع
شعرت فاطمة بأن حياتها قد انقلبت رأسًا على عقب. والدها حيٌّ، لكنه مختطفٌ، وهو بحاجةٍ ماسةٍ لمساعدتها. والأهم من ذلك، أن هذا كله مرتبطٌ بـ"دار الحكمة" وبالكنزِ الأثريِّ الذي تحدثت عنه. لقد أصبحت مهمتها مزدوجة: إنقاذُ والدها، وحمايةُ هذا الإرثِ العظيم.
بعد أن استوعبت الصدمةَ الأولى، بدأت فاطمة في دراسةِ الخريطةِ القديمةِ بدقةٍ متناهية. كانت الخريطةُ مليئةً بالرموزِ والتعليقاتِ المكتوبةِ بخطِ يدِ والدها، تشيرُ إلى مسالكٍ سريةٍ وطرقٍ غيرِ مألوفةٍ في أطرافِ المدينة، بعيدًا عن العمران. كانت هذه المناطقُ معروفةً بوجودِ آثارٍ قديمةٍ مطمورةٍ تحتَ الرمال، لكن لم يعرف أحدٌ قطُّ بوجودِ "دارِ الحكمة" فيها.
لم يكن لديها وقتٌ لتضيعه. جمعت فاطمة بعضَ المؤنِ الأساسية، ومصباحًا يدويًا، وارتدت ملابسَ عمليةً تناسبُ المغامرة. قبل أن تغادر، ودعت أمينة، وأخبرتها بشكلٍ موجزٍ أنها ذاهبةٌ في رحلةٍ للبحثِ عن معلوماتٍ جديدةٍ تخصُّ والدها، ووعدتها بأنها ستخبرُها بكلِّ شيءٍ عند عودتها. شعرت أمينة بالقلقِ على فاطمة، لكنها وثقتْ في شجاعتها، ودعت لها بالتوفيق.
انطلقت فاطمة في رحلتها، متبعةً العلاماتِ الغامضةَ على الخريطة. كانت الطريقُ وعرةً ونائية، تمرُّ عبرَ صحاريَ شاسعةٍ وسهولٍ قاحلة. في كلِّ خطوةٍ، كانت تشعرُ بأنها تقتربُ أكثرَ من والدها، وتقتربُ أكثرَ من الحقيقة. كانت تتذكرُ كلماته: "لا تثقي بأحدٍ بسهولة." كانت هذه الكلماتُ تترددُ في رأسها، تجعلها حذرةً ومتيقظةً لكلِّ حركةٍ أو صوت.
بعد ساعاتٍ من السير، وصلت فاطمة إلى منطقةٍ تبدو مهجورةً تمامًا. كانت هناك بعضُ التلالِ الصخريةِ التي تشبهُ الكهوفَ القديمة. وفقًا للخريطة، كان المكانُ الذي تبحثُ عنه يقعُ في مكانٍ قريب. بدأت فاطمة تبحثُ عن مدخلٍ سريٍّ، عن علامةٍ تدلُّ على وجودِ "دارِ الحكمة".
وبينما كانت تتفحصُ الصخور، لفتَ انتباهها نقشٌ غريبٌ على إحدى الصخورِ الكبيرة، يشبهُ الرمزَ الموجودَ على القلمِ المعدنيِّ الذي وجدتهُ في الصندوقِ الأسود. اقتربت فاطمة، ومدت يدها لتلمسَ النقش. في تلك اللحظة، شعرت بأن القلمَ في حقيبتها بدأَ يسخنُ قليلًا. أخرجت القلمَ، ووضعتهُ فوقَ النقشِ على الصخرة.
حدثَ شيءٌ مذهل. بدأَ النقشُ على الصخرةِ يضيءُ بضوءٍ خافت، ثم سمعت صوتَ طقطقةٍ عميقة، وكأنَّ بابًا سريًا قد فُتح. انشقَّ جزءٌ من الصخرةِ ليكشفَ عن مدخلٍ مظلمٍ يؤدي إلى الأسفل. كان هذا هو المدخلُ إلى "دارِ الحكمة".
شعرت فاطمة بمزيجٍ من الخوفِ والترقب. هل هذا هو المكانُ الذي يبحثُ عنه والدها؟ هل ستجدُ فيهِ إجاباتٍ، أم خطرًا جديدًا؟ أمسكتْ بالمصباحِ اليدويِّ، وجمعتْ شجاعتها، وبدأتْ بالنزولِ إلى المجهول.
كانت الممراتُ ضيقةً ومظلمة، تفوحُ منها رائحةُ الترابِ القديم. جدرانُ الممراتِ كانت مزينةً بنقوشٍ ورسوماتٍ قديمةٍ، تحكي قصصًا عن حضارةٍ غابرة. كلُّ خطوةٍ كانت تقودها إلى عمقٍ أكبر، إلى عالمٍ منسيٍّ.
وبعدَ فترةٍ من المسير، وصلت فاطمة إلى قاعةٍ واسعة. كانت القاعةُ تبدو وكأنها مكتبةٌ ضخمة، مليئةٌ بالرفوفِ التي تحملُ لفائفَ جلديةً وكتبًا قديمةً متآكلة. في وسطِ القاعة، كان هناكَ منصةٌ حجريةٌ، وعليها صندوقٌ معدنيٌّ آخر، لكنه كان أكبرَ وأكثرَ زخرفةً من الصندوقِ الأسودِ الذي وجدتهُ سابقًا.
اقتربت فاطمة من المنصةِ، وبدأتْ تفحصُ الصندوق. كان عليهِ نقشٌ غريبٌ، يشبهُ شكلَ زهرةٍ بريةٍ. هل هذا هو الصندوقُ الذي كان والدها يبحثُ عنه؟ هل فيهِ ما يكفي لإنقاذه؟
وبينما كانت تحاولُ فتحَ الصندوق، سمعت صوتًا خافتًا قادمًا من زاويةٍ في القاعة. استدارت فاطمة بسرعة، موجِّهةً ضوءَ المصباحِ نحو مصدرِ الصوت. وجدتْ رجلًا يجلسُ على الأرض، يبدو عليهِ الإرهاقُ الشديد. كان يرتدي ملابسَ قديمةً، لكن لم تستطع فاطمة تحديدَ هويتهِ بوضوحٍ بسببِ الظلام.
"من أنت؟" سألت فاطمة بصوتٍ قوي، محاولةً إخفاءَ خوفها. "ماذا تفعلُ هنا؟"
تنهدَ الرجلُ، وبدأَ يتحدثُ بصوتٍ ضعيف: "أنا… أنا هنا منذُ زمنٍ طويل. كنتُ أنتظرُ… أنتظرُ أن يأتيَ أحدٌ ما."
"من أنت؟" كررت فاطمة، وقد شعرتْ بالريبةِ تتزايد. "هل أنتَ على علاقةٍ بالأستاذِ أحمد؟"
لم يرد الرجلُ على الفور. ثم قالَ بصوتٍ عميقٍ ومليءٍ بالحزن: "الأستاذُ أحمد… لقد كانَ رجلًا شجاعًا. لقد حاولَ حمايةَ هذا المكان. لكن… لكنهم وجدوه. وجدوني."
بدأت فاطمة تتذكرُ ما قالهُ الرجلُ المجهولُ لها في الشارع. "إنهم يراقبونني أيضًا." هل هذا الرجلُ هو والدها؟ هل هو مختطفٌ هنا؟
"هل أنتَ والدي؟" سألت فاطمة بصوتٍ مرتجف.
ابتسمَ الرجلُ ابتسامةً باهتة. "نعم يا ابنتي. لقد نجحتِ. لقد وجدتِ 'دارَ الحكمة'. وها أنا ذا."
شعرت فاطمة بأن الدموعَ تنهمرُ من عينيها. ركضتْ نحو والدها، واحتضنتهُ بقوة. كان جسدهُ نحيلًا، لكن دفءَ حضنهِ كانَ هو الأمانُ الذي كانت تبحثُ عنه.
"أبي، لقد كنتُ قلقةً جدًا عليك،" قالت وهي تبكي. "ماذا حدث؟ ومن هؤلاءِ الأشخاص؟"
"لا وقتَ للشرحِ الآن يا ابنتي،" قال والدها، وهو يشيرُ إلى الصندوقِ الكبيرِ على المنصة. "هذا الصندوقُ يحتوي على 'مفتاحِ الحكمة'. إنهُ الشيءُ الذي يريدونه. إنهُ دليلٌ يقودُ إلى مخطوطاتٍ قديمةٍ ذاتِ قوةٍ هائلة. لقد حاولوا إجباري على فتحه، لكنني رفضت. لذلكَ احتجزوني هنا. والآن، عليكِ أن تقرري. هل ستساعدينني في حمايةِ هذا الإرث، أم ستسمحينَ لهم بالحصولِ عليه؟"
نظرت فاطمة إلى والدها، ثم إلى الصندوقِ الكبير. أدركتْ أن المصيرَ لم يعدْ يتعلقُ بها وحدها، بل يتعلقُ بتاريخٍ كامل، وبإرثٍ عظيمٍ يجبُ حمايته.