دموع في زمن الحزن
الفصل 18 — رحلة البحث والخيوط المتشابكة
بقلم هند الزهراني
الفصل 18 — رحلة البحث والخيوط المتشابكة
بعد أن استعادت نورة جزءًا من ذاكرتها، وبعد أن انكشفت أمامها خيوطٌ متشابكةٌ من الماضي، قررت أن تبدأ رحلة البحث عن أمها البيولوجية، وعن حقيقة الأسرار التي أحاطت بوالديها. كانت فاطمة، رغم صدمتها، مصممةً على دعم ابنتها، فقد شعرت بمسؤوليةٍ تجاه هذه الفتاة التي اعتنت بها وأحبتها كأنها ابنتها. أما الحاجة زينب، فقد شعرت بأن قدرها قد عاد ليطاردها، وأن عليها أن تساعد نورة في كشف هذه الألغاز.
"يا بنيتي،" قالت الحاجة زينب، وهي تضع يدها على كتف نورة، "هذه الرحلة لن تكون سهلة. إن كانت هناك أطرافٌ تسعى لإخفاء هذه الأسرار، فستواجهين مقاومةً منهم."
"أعلم يا جدتي،" أجابت نورة، وعيناها مصممتان. "لكنني لا أستطيع أن أعيش في ظل الشك والغموض. أريد أن أعرف من أنا، ومن أين أتيت. وأبي لم يترك لي هذه الرسائل والخريطة إلا لكي أجد طريقي."
بعد عدة أيام من التحضير، كانت الحقائب جاهزة. احتفظت نورة بالصندوق الأسود، والصور، والرسائل، والخريطة، والقلادة. كانت فاطمة ترافقها، فقد أصرت على ذلك. شعرت نورة بالامتنان العميق لوالدتها بالتبني، لشجاعتها وحبها غير المشروط.
"سأكون بجانبكِ دائمًا يا ابنتي،" قالت فاطمة، وهي تضم نورة بحنان. "مهما حدث، لن أترككِ وحدكِ."
كانت أولى وجهاتهم هي البلدة الصغيرة التي ورد ذكرها في بعض رسائل والد نورة، وكانت تشير إليها الخريطة بعلامةٍ غريبة. كانت البلدة هادئة، وبيوتها قديمة، وأهلها ودودون. بدأت نورة تسأل، تصف والدها، وتصف المرأة التي كانت تبحث عنها.
"لقد كان رجلاً طيبًا،" قالت سيدةٌ كبيرةٌ في السن، تراقب نورة بعينين فضوليتين. "كان يزور البلدة بين الحين والآخر. لكنه لم يأتِ منذ سنوات."
"وهل تعرفين امرأةً كانت ترافقه؟ أو ربما سكنت هنا لفترة؟" سألت نورة.
ترددت السيدة، ثم قالت: "كانت هناك امرأةٌ غريبة الأطوار، عاشت في منزلٍ منعزلٍ على أطراف البلدة. كانت جميلةً جدًا، لكنها كانت تحمل حزنًا عميقًا في عينيها. لم نتحدث معها كثيرًا، فقد كانت متحفظةً جدًا."
"هل تتذكرين اسمها؟" سألت نورة بلهفة.
"اسمها... أظن أنه كان "ليلى". لكنها اختفت فجأةً، ولم يعد أحدٌ يراها."
"ليلى..." همست نورة. هل هذه هي أمها؟
واصلت نورة وفاطمة البحث، وسألوا عن منزلٍ منعزل. وجدوا المنزل، كان مهجورًا، وبابه مكسور، وحديقته مهملة. لكن نورة شعرت بشيءٍ غامضٍ يجذبها إليه.
"هذا هو المكان،" قالت نورة، وهي تتلمس جدار المنزل بيدها. "أشعر وكأنني كنت هنا من قبل."
داخل المنزل، كان كل شيءٍ يوحي بالاندثار. الغبار يغطي الأثاث، والعناكب تنسج خيوطها في الزوايا. لكن نورة، بحدسها، بدأت تبحث في كل ركن.
"الخريطة..." قالت نورة، وهي تخرج الخريطة. "هناك علامةٌ هنا، تشبه بابًا سريًا."
بدأت نورة تبحث عن بابٍ سري، وفي أحد الجدران، خلف رف كتبٍ قديم، وجدت ما كانت تبحث عنه. كان بابًا خشبيًا صغيرًا، بالكاد يُرى. فتحته بصعوبة، لتكشف عن ممرٍ ضيقٍ ينزل إلى الأسفل.
"هذا هو الممر،" قالت نورة، وهي تضيء بمصباح هاتفها. "أظن أنه يقود إلى مكانٍ آمن."
نزلت نورة وفاطمة إلى الممر. كان الهواء باردًا ورطبًا. بعد مسافةٍ قصيرة، وصلتا إلى غرفةٍ صغيرةٍ محفورةٍ في الأرض. كانت الغرفة مفروشةً ببساطة، وبها سريرٌ صغير، وطاولة. وعلى الطاولة، وجدت نورة شيئًا جعل قلبها يخفق بقوة.
كانت كتابًا قديمًا، مزينًا بالنقوش. وبجانبه، كانت هناك قلادةٌ أخرى، مشابهةٌ لتلك التي وجدتها في الصندوق، لكنها كانت تحمل حرفًا مختلفًا.
"هذا الكتاب..." قالت نورة، وهي تفتحه. "هذه اللغة... إنها نفس اللغة التي قرأتها جدتي!"
بدأت نورة تقرأ، وكانت الكلمات تتدفق في ذهنها، كأنها تعرفها منذ زمنٍ طويل. كان الكتاب يسجل قصةً، قصة أمٍ تركت ابنتها في رعاية رجلٍ يحبه، خوفًا عليها من خطرٍ محدق. كانت تسجل كيف أنها كانت تحمل "أمانةً" ثمينة، شيئًا لا يجب أن يقع في الأيدي الخطأ.
"إنها أمي..." همست نورة، والدموع تترقرق في عينيها. "إنها تكتب إليّ، حتى لو لم تكن تعلم أنني سأقرأ هذا في يومٍ من الأيام."
"وما هي هذه الأمانة؟" سألت فاطمة.
نظرت نورة إلى القلادة الأخرى، ثم إلى الكتاب. "أعتقد أن الأمانة هي هذه المعرفة. هذه اللغة. وهذه القلادة... ربما هي مفتاحٌ آخر."
بينما كانت نورة تتفحص القلادة، لاحظت شيئًا غريبًا. كان هناك نقشٌ صغيرٌ عليها، يكاد يكون غير مرئي. وبمقارنتها بالقلادة التي وجدتها في الصندوق، اكتشفت أن النقشين معًا يشكلان رمزًا واحدًا.
"رمزٌ موحد،" قالت نورة. "هذا يعني أن هاتين القلادتين، هاتين المرأتين... كانتا مرتبطتين ببعضهما البعض. وأن أمي البيولوجية... كانت تعرف والدتكِ يا فاطمة."
فكرت فاطمة، ثم قالت: "لقد كانت جدتي تتحدث عن صديقةٍ قديمةٍ لها، كانت تحمل معها "حكمة الأجداد". لكنها لم تذكر اسمها أبدًا. ربما... ربما كانت هي."
"إذاً،" قالت نورة، وهي تشعر بأن الخيوط بدأت تتشابك بالفعل، "والدي، وأمي البيولوجية، ووالدتكِ وجدتكِ... كانوا يعرفون بعضهم البعض. وكانوا يحاولون حماية شيءٍ ما."
"لكن من هم هؤلاء الذين كانوا يخشونهم؟" سألت فاطمة.
"لا أعرف. لكن الرسالة التي قرأتها جدتي، "القلعة آمنة، الأمانة في عهدتك"، يبدو أنها كانت موجهةً إلى والدتي. وربما كانت هذه القلادة الثانية هي مفتاحٌ لدخول هذه القلعة."
خرجت نورة وفاطمة من المنزل المهجور، تحملان معهما كتابًا غامضًا، وقلادتين متشابهتين، ورمزًا واحدًا. بدأت رحلتهما تتحول من مجرد بحثٍ عن أمٍ مفقودة، إلى كشفٍ عن مؤامرةٍ قديمة، وعن ميراثٍ ثمينٍ ينتظر من يكتشفه.