دموع في زمن الحزن
الفصل 2 — ظلٌّ يخترقُ السكون
بقلم هند الزهراني
الفصل 2 — ظلٌّ يخترقُ السكون
تجمّعتْ خيوطُ الشمسِ الداكنةُ في سماءِ وادي الصفاء، مُلقيةً بظلالٍ طويلةٍ على البيوتِ المتواضعة. كانت الحياةُ تعودُ إلى طبيعتها بعدَ صلاةِ الفجر، حيثُ انشغلَ الرجالُ بأعمالهم في الحقولِ والمزارع، وانشغلتْ النساءُ بأعمالِ المنزلِ ورعايةِ الأطفال. كانت فاطمةُ قد أتمّتْ تجهيزَ الفطورِ لأبنائها، وجلستْ معهم حولَ المائدةِ الخشبيةِ البسيطة، تستمعُ إلى أحاديثِهم الصباحيةِ وهم يتناولونَ الخبزَ والزيتَ والجبنَ.
"أمي، هل سنذهبُ اليومَ إلى السوقِ لشراءِ بعضِ الأقمشةِ لثوبِ سارة؟" سألَ أحمدُ وهو يمدُّ يدهُ ليأخذَ قطعةَ خبزٍ أخرى.
"إن شاء الله يا بني، إذا كانَ لدينا ما يكفي من المال. سأذهبُ إلى أمينةَ اليومَ لأستشيرَها في بعضِ الأمور." أجابت فاطمةُ وهي تُراقبُ أبناءَها.
كانت سارةُ تُقلّبُ صفحاتِ كتابِها، وعيناها زائغتانِ كما لو أنّها في عالمٍ آخر. "ماذا تقرئينَ يا سارة؟" سألَ يوسفُ بفضول.
"أقرأُ قصةً عن فتاةٍ سافرتْ بعيدًا بحثًا عن العلمِ والمغامرة." أجابت سارةُ بابتسامةٍ حالمة.
"متى ستسافرينَ أنتِ يا سارة؟" سألَ أحمدُ بلهجةٍ فيها شيءٌ من السخريةِ الخفيفة. "هل ستُصبحينَ عالمةً مثلَ أينشتاين؟"
"لا تسخرْ منها يا أحمد،" تدخلتْ فاطمةُ بحزمٍ لطيف. "كلُّ شخصٍ لهُ أحلامُه. أليسَ كذلك يا ابنتي؟"
"بالتأكيد يا أمي." قالت سارةُ وهي تُحمّلُ عينَيها الامتنانَ لوالدتها.
بعدَ أنْ انتهى الأبناءُ من فطورهم، انطلقَ أحمدُ إلى الحقولِ، وسارةُ إلى غرفتها لمواصلةِ قراءتها، بينما انطلقَ يوسفُ ليلعبَ معَ أصدقائهِ في الساحةِ أمامَ المنزل. بقيتْ فاطمةُ تشعرُ بثقلٍ غريبٍ في صدرِها، وكأنّ شيئًا ما على وشكِ الحدوث. قررتْ أن تذهبَ لزيارةِ جدّتِهم أمينة، فربما تجدُ عندها بعضَ الراحةِ والطمأنينة.
كان منزلُ أمينةَ قريبًا، مبنيًا من الطينِ والحجارة، يعكسُ بساطةَ الحياةِ في القرية. حينَ وصلتْ فاطمةُ، وجدتها جالسةً على كُرسيٍّ خشبيٍّ أمامَ بابِ منزلها، تُصلّي بخشوعٍ. ألقَتْ عليها السلامَ، فردّتْ أمينةُ بوجهٍ مُشرقٍ رغمَ تجاعيدِ السنين.
"أهلاً بكِ يا بنيتي. ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت؟" سألت أمينةُ.
"كنتُ أشعرُ ببعضِ القلقِ يا أمي، أردتُ أن أراكِ وأستمدَّ منكِ بعضَ القوة." قالت فاطمةُ وهي تجلسُ بجوارِها.
"القلقُ طبيعيٌ في هذهِ الحياةِ المليئةِ بالتقلبات،" قالت أمينةُ وهي تُمسكُ بيدِ فاطمة. "لكنّ الإيمانَ والصبرَ هما مفتاحُ الفرج. هل هناكَ شيءٌ يُزعجُكِ؟"
بدأتْ فاطمةُ تُحدّثُ أمينةَ عن ضغوطِ الحياة، عن صعوبةِ تدبيرِ أمورِ الأسرةِ بعدَ رحيلِ خالد، وعن خوفِها على مستقبلِ أبنائها. "أحمدُ يُريدُ أن يعملَ ليعينني، لكنّي أخشى أن يضيعَ حلمُهُ في الدراسة. وسارةُ، روحُها جميلةٌ وشغوفةٌ بالعلم، لكنّي أخشى أن تواجهَ صعوباتٍ بسببِ عاداتِ مجتمعنا."
"أحمدُ شابٌ مسؤولٌ، وسيسعى لتحقيقِ ما يراهُ صحيحًا. وأنتِ يا فاطمةُ، قدّمتِ لهُ كلَّ الحبِّ والدعم. أما سارةُ، فقلبُها طيبٌ ونقيّ. دعي الأمورَ تأخذُ مجراها، واجعلي دعاءَكِ سلاحَكِ." قالت أمينةُ بحكمةٍ.
وبينما كانتا تتحدثان، مرَّ رجلٌ غريبٌ بالزيِّ الرسميّ، يرتدي سترةً جلديةً داكنة، ويحملُ حقيبةً جلديةً تبدو ثقيلة. كانَ وجهُهُ حادَّ الملامح، ونظرتهُ نافذة. لم يكنْ من أهلِ القرية، ولم يرَهُ أحدٌ من قبل. توقّفَ أمامَ منزلِ فاطمةَ، ثمَّ نظرَ حوله وكأنّهُ يبحثُ عن شيء.
"من هذا الرجلُ يا فاطمة؟" سألت أمينةُ بقلق.
"لا أعرفُ يا أمي. لم أرَهُ من قبل." أجابت فاطمةُ وهي تشعرُ بارتفاعِ وتيرةِ خوفِها.
اقتربَ الرجلُ من منزلِ فاطمةَ، ثمَّ طرقَ البابَ بقوة. انطلقَ يوسفُ من فورهِ ليفتحَ البابَ، لكنّ فاطمةَ أوقفتْهُ. "انتظرْ يا بني، سأفتحُ أنا."
فتحتْ فاطمةُ البابَ بحذر، فرأتْ الرجلَ يقفُ أمامَها بعينينِ باردتين.
"هل أنتِ "فاطمة بنتُ محمد"؟" سألَ الرجلُ بصوتٍ أجشّ.
"نعم، أنا هي. من أنتَ؟ وماذا تريد؟" أجابت فاطمةُ وهي تُحاولُ أن تُخفيَ توتّرَها.
"أنا "صالح"، قادمٌ من المدينة. لديّ أمرٌ هامٌّ أودُّ إبلاغَكِ به." قالَ الرجلُ دونَ مقدمات.
"تفضلْ بالدخول." دعتْهُ فاطمةُ ببعضِ التردد.
دخلَ الرجلُ إلى المنزل، ونظرَ حوله بتقييم. كانَ يوسفُ يقفُ خلفَ والدتهِ، مُتمسّكًا بثوبِها، وعيناهُ واسعتانِ من الخوف.
"أينَ أبناؤكِ الآخرون؟" سألَ صالح.
"أحمدُ في الحقل، وسارةُ في غرفتها." أجابت فاطمةُ.
"لا بأس. ما سأقولُهُ هو أمرٌ يخصُّكِ أنتِ بالدرجةِ الأولى." قالَ صالحٌ ثمَّ استقامَ في وقفتهِ وأخرجَ من حقيبتِهِ ورقةً مطوية. "لقد تلقّيتُ أمرًا قضائيًا بخصوصِ تركةِ زوجِكِ المرحوم، السيد خالد. هناكَ بعضُ الأمورِ التي تحتاجُ إلى تسوية."
تجمّدتْ فاطمةُ في مكانِها. تركةُ خالد؟ وما الذي يمكنُ أن يكونَ هناكَ لتسويته؟ كانَ خالدُ رجلًا بسيطًا، لم يتركْ لهم شيئًا سوى هذا المنزلَ المتواضعَ وبعضَ الديونِ القليلةِ التي كانتْ تسعى لسدادِها.
"ماذا تقصدُ؟" سألت فاطمةُ بصوتٍ بالكادِ يُسمع.
"بسببِ بعضِ الظروفِ الطارئة، ولعدمِ وجودِ ورثةٍ مباشرينَ آخرينَ لهُ في المدينة، تمّ تكليفي بالبحثِ عن أيّ أصولٍ قد تكونُ لديه. وقد تمّ اكتشافُ وجودِ مبلغٍ كبيرٍ من المالِ مُودعٍ باسمِهِ في أحدِ البنوكِ هناك." قالَ صالحٌ بنبرةٍ رسميةٍ جدًا.
ارتعشَ جسدُ فاطمة. مبلغٌ كبيرٌ من المال؟ خالدُ لم يُخبرْها قطّ بوجودِ أيّ مدّخراتٍ كبيرة. كانَ دائمًا ما يتحدّثُ عن ضيقِ الحالِ والحاجةِ للعملِ الشاقّ. هل كانَ يُخبّئُ عنها شيئًا؟
"لا أفهم. خالدُ لم يكنْ يملكُ كلَّ هذا المال." تمتمتْ فاطمةُ.
"هذا ما سنحاولُ فهمَهُ. ولكن، هناكَ قضيةٌ أخرى." قالَ صالحٌ وهو يُقلّبُ الورقة. "زوجُكِ كانَ قد أبرمَ عقدًا قبلَ وفاتهِ معَ أحدِ رجالِ الأعمالِ في المدينة، وبسببِ عدمِ الوفاءِ ببعضِ بنودِ العقد، فإنّ هناكَ ديونًا كبيرةً مستحقة. وقد تمّ تحويلُ القضيةِ إلى المحكمة."
شعرتْ فاطمةُ بأنّ الأرضَ تميدُ بها. ديونٌ كبيرة؟ عقدٌ؟ كلُّ هذا كانَ غريبًا عليها. خالدُ كانَ رجلًا صادقًا، كيفَ لهُ أن يُبرمَ عقدًا بهذهِ الخطورةِ دونَ أن يُخبرها؟
"هذا غيرُ صحيح. خالدُ لم يكنْ ليُخفيَ عنّي شيئًا كهذا." قالت فاطمةُ وهي تشعرُ بالدموعِ تتجمّعُ في عينيها.
"السجلاتُ تقولُ غيرَ ذلك، سيدتي." قالَ صالحٌ وهو يُعيدُ الورقةَ إلى حقيبتِهِ. "سأحتاجُ منكِ بعضَ المستنداتِ لإتمامِ الإجراءات. سأعودُ غدًا في نفسِ الوقت."
غادرَ صالحٌ المنزلَ، تاركًا فاطمةَ في حالةٍ من الذهولِ والصدمة. كانَ الظلُّ الذي اخترقَ سكونَ حياتِهم قد أتى، حاملاً معه أسئلةً لم تجدْ لها إجابة، ومخاوفَ بدأتْ تُلقي بظلالِها السوداءِ على مستقبلِهم. لم تعدْ تدري ماذا تفعل، هل تُصدّقُ هذا الرجلَ الغريب؟ أم أنّ هناكَ تفسيرًا آخر؟ قلبُها كانَ ينبضُ بخوفٍ شديد، وتساؤلاتٌ مُرعبةٌ بدأتْ تُراودُها.