دموع في زمن الحزن
الفصل 3 — بينَ الماضي والحاضر
بقلم هند الزهراني
الفصل 3 — بينَ الماضي والحاضر
عادَ الظلامُ ليُخيّمَ على وادي الصفاء، لكنّ الظلامَ الذي استقرَّ في قلبِ فاطمةَ كانَ أشدَّ وطأة. جلستْ في غرفتها، تتأملُ صورَ زوجِها خالد، تتذكرُ ضحكاتهُ، وحنانهُ، ووعودَهُ لها. كيفَ لهُ أن يُخبّئَ عنها كلَّ هذا؟ هل كانتْ حياتُهما مجرّدَ وهم؟
كانَ أحمدُ قد عادَ من الحقل، ورأى والدتهُ شاردةً، وعيناها حمراوان. "أمي، ما بكِ؟ هل أنتِ بخير؟" سألَها بقلق.
جلستْ فاطمةُ، وحاولتْ أن تُرتّبَ أفكارَها قبلَ أن تُحدّثَ ولدَها. "يا بني، لقد زارنا اليومَ رجلٌ من المدينة، يُدعى صالح. قالَ إنّهُ جاءَ بخصوصِ تركةِ والدِك."
"تركة؟ وماذا يريد؟" سألَ أحمدُ وهو يشعرُ ببعضِ الارتياب.
حكتْ فاطمةُ لأحمدَ كلَّ ما قالهُ صالحٌ عن اكتشافِ مبلغٍ كبيرٍ من المالِ وعن عقدٍ وديونٍ مستحقة. كانَ أحمدُ يستمعُ بانتباهٍ، وجههُ يتغيّرُ بينَ الدهشةِ وعدمِ التصديق.
"لا يمكنُ أن يكونَ هذا صحيحًا يا أمي. أبي كانَ دائمًا ما يُشاركني كلَّ شيء، لم يذكرْ لي قطّ أنّهُ يملكُ كلَّ هذهِ الأموال. بل كانَ دائمًا ما يشكو من قلةِ المال." قالَ أحمدُ وهو يفركُ جبهتهُ.
"هذا ما أقولُهُ لكَ يا بني. أشعرُ أنّ هناكَ شيئًا غيرَ طبيعيّ." قالت فاطمةُ والدموعُ تنهمرُ على خديها. "هل يُعقلُ أن يكونَ والدُكِ قد تورّطَ في شيءٍ كهذا؟"
"لا يا أمي، أبي رجلٌ صالحٌ وطيب. مستحيلٌ أن يفعلَ شيئًا يُسيءُ إلى سمعتهِ أو يُعرّضُنا للخطر. ربما هذا الرجلُ يُحاولُ أن يخدعَنا." قالَ أحمدُ بعزمٍ، فهو لا يريدُ أن يصدّقَ أيَّ شيءٍ يُقلّلُ من شأنِ والدهِ الراحل.
في تلكَ الليلة، لم ينمْ أحمدُ وفاطمةُ. بقيا يتحدثانِ طويلاً، يُحاولانِ فهمَ ما يحدث. قررَ أحمدُ أن يُسافرَ إلى المدينةِ في أقربِ فرصةٍ ليُقابلَ هذا الرجلَ صالح، وليستفسرَ عن كلِّ شيء.
في اليومِ التالي، ذهبتْ فاطمةُ لزيارةِ جدّتِها أمينةَ لتُخبرها بما حدث. استمعتْ أمينةُ بصبرٍ وهدوء، ثمَّ قالتْ: "يا بنيتي، الحياةُ مليئةٌ بالمفاجآت. ربما كانَ خالدُ يُحاولُ أن يُجهّزَ لكم شيئًا ما ولم يُحالفهُ الحظ. أما بالنسبةِ للعقدِ والديون، فلا أعلمُ ما أقول. لكنّي أثقُ بخالد، وأعلمُ أنّهُ لم يكنْ ليُورّطَكم في أمرٍ فيهِ سوء. يجبُ أن تتحلّوا بالشجاعةِ وتواجهوا الأمرَ بالحكمةِ والتوكّلِ على الله."
في غضونِ ذلك، كانتْ سارةُ تستمعُ إلى حديثِ والدتها وأخيها، وهي تشعرُ بصدمةٍ عميقة. والدها الذي كانتْ تتغنى باسمهِ في قصائدها، هل كانَ يخفي كلَّ هذا؟ كانتْ تشعرُ بالغضبِ والحزنِ معًا.
"أمي، ألا يمكنُنا أن نتجاهلَ هذا الرجلَ؟" سألت سارةُ بصوتٍ مُرتجف.
"لا يا حبيبتي، لا يمكنُنا أن نتجاهلَ أمرًا كهذا. يجبُ أن نعرفَ الحقيقةَ مهما كانت. وإن كانَ والدُكِ قد تركَ لنا ديونًا، فعلينا أن نُسدّدَها." قالت فاطمةُ بحزمٍ يُخفيهِ حزنٌ عميق.
بعدَ أيامٍ قليلة، سافرَ أحمدُ إلى المدينة. كانتْ رحلتُهُ تحملُ أملًا في كشفِ الحقيقة، لكنّها كانتْ أيضًا مليئةً بالخوفِ من المجهول. في المدينة، التقى أحمدُ بالرجلِ صالح. كانَ الرجلُ صارمًا وجادًا، لكنّهُ سمحَ لأحمدَ بالاطلاعِ على بعضِ الوثائق. كانَ بالفعلِ هناكَ حسابٌ بنكيٌّ باسمِ والدهِ يحتوي على مبلغٍ ماليٍّ كبير، كما كانَ هناكَ عقدٌ مُبرمٌ بينَ خالدٍ ورجلِ أعمالٍ يُدعى "عادل الرفاعي"، وبسببِ عدمِ وفاءِ خالدٍ ببعضِ بنودِ العقد، تراكمتْ ديونٌ كبيرة.
"لماذا لم يُخبرني والدي بهذا؟" سألَ أحمدُ صالح.
"لا أعلمُ، ربما كانَ لديهِ أسبابُهُ. لكنّ العقدَ مُبرمٌ، والديونُ مُحققة. السيدُ عادلُ الرفاعي يُريدُ استعادةَ أموالِهِ، ونحنُ مُلزمونُ بتنفيذِ القانون." أجابَ صالحٌ.
شعرَ أحمدُ بأنّ كلَّ شيءٍ ينهارُ من حولهِ. عادَ إلى القريةِ وهو مُثقلُ الهموم. جمعَ عائلتَهُ وأخبرهم بما رأى. كانتْ صدمةً جديدةً لهم.
"إذًا، المالُ موجود، لكنّ الديونَ أكبر." قالت فاطمةُ وهي تُمسكُ برأسِها.
"يجبُ أن نتصرفَ بحكمة. يجبُ أن نُقابلَ هذا الرجلَ عادل الرفاعي." قالَ أحمدُ بعزم. "ربما نستطيعُ أن نتفاوضَ معه."
كانَ أحمدُ يعرفُ أنَّ مواجهةَ رجلِ أعمالٍ مثلَ عادل الرفاعي لن تكونَ سهلة. لكنّهُ كانَ مُصممًا على حمايةِ عائلتهِ وعلى الحفاظِ على سمعةِ والدهِ. في تلكَ الليلة، اجتمعتْ العائلةُ في غرفةِ الجلوس. كانتْ سارةُ تُمسكُ بقلمِها وتُدوّنُ بعضَ الأفكار، ربما كانتْ تُحاولُ أن تجدَ في الكلماتِ عزاءً أو حلًا. يوسفُ كانَ نائمًا، لا يعلمُ شيئًا عن هذهِ العاصفةِ التي تُهدّدُ حياتَهم.
"أمي، لا تقلقي. سنتجاوزُ هذهِ المحنةَ بإذنِ الله." قالَ أحمدُ وهو يُمسكُ بيدِ والدته. "سنُحاولُ أن نُسدّدَ الديونَ، ولن نسمحَ لأحدٍ أن يُفسدَ حياتَنا."
"أنا معك يا بني." قالت فاطمةُ وهي تُعانقُ ولدَها.
كانَ الماضي قد بدأَ يُلقي بظلالِهِ الثقيلةِ على الحاضر. كانتْ أسرارُ خالدٍ تُشكّلُ تحديًا كبيرًا أمامَهم، لكنّ رابطَ الحبِّ والتماسكِ داخلَ الأسرةِ كانَ هو الأملَ الوحيدَ الذي يُمكنُ أن يُساعدَهم على تخطّي هذهِ الأزمة. كانتْ دموعٌ قد انهمرتْ، لكنّها كانتْ دموعَ بدايةٍ، بدايةَ معركةٍ شاقةٍ سيخوضونَها معًا.