دموع في زمن الحزن

الفصل 5 — خيوطٌ من الماضي

بقلم هند الزهراني

الفصل 5 — خيوطٌ من الماضي

بدأتْ الحياةُ في وادي الصفاء تأخذُ منحىً جديدًا. غادرَ أحمدُ إلى المدينةِ ليُباشرَ عملهُ في مكتبِ عادل الرفاعي، تاركًا والدتهُ وأخاهُ الصغيرَ في رعايةِ جدّتِهم. كانتْ أيامُ فراقِهِ ثقيلةً على قلبِ فاطمة، لكنّها كانتْ تعلمُ أنَّ هذا هو الطريقُ الوحيدُ لإنقاذِهم. كانتْ سارةُ تُحاولُ أن تُخفّفَ عن والدتها، تُشاركُها أعمالَ المنزلِ وتُحاولُ أن تُشغلَها بحديثٍ مُبهج، لكنّ القلقَ كانَ يُخيّمُ عليها أيضًا.

"كيفَ حالُ أحمد؟ هل يتواصلُ معكِ؟" سألت سارةُ والدتها ذاتَ مساء.

"نعم، يتصلُ بي كلَّ يوم. يقولُ إنّ العملَ شاقٌّ، وأنّ السيدَ عادلَ الرفاعي صارمٌ جدًا، لكنّهُ مُصرٌّ على النجاح." أجابت فاطمةُ وهي تُعدُّ كوبًا من الشاي.

"أتمنى أن يكونَ بخير. أنا قلقةٌ عليهِ." قالت سارةُ.

"لا تقلقي يا ابنتي، أحمدُ شابٌّ قويّ. والدُكِ علّمهُ كيفَ يكونُ قويًا." قالت فاطمةُ، ثمَّ نظرتْ إلى صورةِ زوجِها المعلقةِ على الحائط.

في المدينة، كانَ أحمدُ يُواجهُ تحدياتٍ لم يكنْ يتوقّعها. كانَ عالمُ الأعمالِ مختلفًا تمامًا عن حياتِهِ الهادئةِ في القرية. كانَ عادلُ الرفاعي يُحمّلهُ مسؤولياتٍ كبيرة، ويُراقبهُ عن كثب. لكنّ أحمدَ كانَ يُثبتُ جدارتَهُ يومًا بعدَ يوم. كانَ يُظهرُ ذكاءً في فهمِ الأمورِ الهندسية، وقدرةً على حلِّ المشكلات.

"أحمد، لقد رأيتُ تقريرَكَ عن تصميمِ الواجهات. عملٌ ممتاز. لم أتوقّعْ أن تكونَ بهذهِ الكفاءة." قالَ عادلُ الرفاعي يومًا لأحمد. "ربما لم يكنْ والدُكَ مُخطئًا تمامًا حينَ وعدني بتسليمِ المشروع."

كانتْ هذهِ الكلماتُ بمثابةِ انتصارٍ صغيرٍ لأحمد. كانَ يشعرُ بأنّهُ بدأَ يُحقّقُ شيئًا، وأنّ جهودَهُ لن تذهبَ سُدى.

في غضونِ ذلك، بينما كانَ أحمدُ يُواصلُ عملهُ، قررتْ فاطمةُ وسارةُ أن تُحاولا البحثَ عن أيِّ معلوماتٍ تُفيدُهم عن خالدٍ وعن علاقتهِ بعادل الرفاعي. بدأتْ فاطمةُ تتذكرُ تفاصيلَ صغيرةً كانَ خالدُ يُخبرها بها عن عملِهِ، وعن بعضِ الأشخاصِ الذين كانَ يتعاملُ معهم.

"أتذكرُ يا سارة، أنَّ والدَكِ كانَ يتحدثُ عن صديقٍ لهُ في المدينة، يُدعى "الحاجّ إبراهيم". كانَ يقولُ إنّهُ رجلٌ طيبٌ ويُمكنُ الوثوقُ به." قالت فاطمةُ.

"الحاجّ إبراهيم؟" تساءلتْ سارة. "لم أسمعْ بهذا الاسمَ من قبل."

"ربما لم أُركّزي على هذهِ التفاصيلَ وقتَها. ولكنّي أشعرُ بأنّ هذا الرجلَ قد يكونُ لديهِ بعضُ المعلوماتِ عن والدِكِ." قالت فاطمة.

قررتْ فاطمةُ وسارةُ أن تُحاولا البحثَ عن الحاجّ إبراهيم. كانتْ مهمةً صعبةً في مدينةٍ كبيرة، لكنّهم لم يستسلموا. بعدَ أيامٍ من البحثِ والسؤال، وجدوا عنوانَ الحاجّ إبراهيم، وهو رجلٌ كبيرُ السنّ، لطيفُ المعشر، يعيشُ في حيٍّ قديمٍ من أحياءِ المدينة.

استقبلَ الحاجّ إبراهيم فاطمةَ وسارةَ بحفاوةٍ وترحيب. حينَ ذكرتْ فاطمةُ اسمَ زوجِها خالد، لمعتْ عينا الحاجّ إبراهيم.

"خالد؟ نعم، أعرفُهُ معرفةً جيّدة. كانَ رجلًا طيبًا وصادقًا. ما الذي حدثَ له؟" سألَ الحاجّ إبراهيم بقلق.

حكتْ فاطمةُ لهُ كلَّ ما حدث، عن العقدِ وعن الديونِ وعن عادل الرفاعي. استمعَ الحاجّ إبراهيم بصبرٍ، ثمَّ هزَّ رأسَهُ بحزن.

"آه، عادل الرفاعي. أعرفُهُ جيدًا. رجلٌ لا يعرفُ الرحمة. لقد ظلمَ الكثيرينَ في هذهِ المدينة." قالَ الحاجّ إبراهيم. "لكنّي أعلمُ يقينًا أنّ خالدًا لم يكنْ ليُخالفَ عهدهُ عمدًا. ربما كانَ هناكَ سببٌ قويٌّ وراءَ ذلك."

"هذا ما نعتقدُهُ نحنُ أيضًا،" قالت فاطمة. "هل لديكَ أيُّ معلوماتٍ عن طبيعةِ العقدِ الذي أبرمَهُ خالدٌ معَ عادل الرفاعي؟"

"نعم، أتذكرُ شيئًا. لقد كانَ خالدٌ يعملُ على مشروعٍ كبيرٍ يتعلقُ بتصميمِ نظامِ صرفٍ صحيٍّ للمدينة، وكانَ عادلُ الرفاعي قد وعدهُ بتمويلِ المشروعِ إذا نجحَ في الحصولِ على الموافقاتِ اللازمة. لكنّ عادلَ الرفاعي كانَ يُماطلهُ دائمًا، ويُغيّرُ شروطَ العقدِ باستمرار. أظنُّ أنّهُ كانَ يُخطّطُ لخداعِ خالدٍ من البداية." قالَ الحاجّ إبراهيم.

"خداع؟" تكررتْ فاطمةُ الكلمةَ بصدمة.

"نعم، عادلُ الرفاعي كانَ يُريدُ المخططاتِ والنظامَ الهندسيَّ الذي ابتكرَهُ خالدٌ. لكنّهُ لم يُرِدْ أن يدفعَ لهُ المستحقّاتِ كاملة. لقد استغلَّ حاجةَ خالدٍ للمالِ ليُوقّعَهُ في فخٍّ." قالَ الحاجّ إبراهيم.

شعرتْ فاطمةُ بأنّ غضبًا عارمًا يشتعلُ في صدرِها. خالدٌ، زوجُها الطيبُ، لم يكنْ مُقصرًا، بل كانَ ضحيةً للخداع.

"وهل لدى خالدٍ أيُّ مستنداتٍ تُثبتُ ذلك؟" سألت سارة.

"ربما. أتذكرُ أنَّ خالدًا كانَ يحتفظُ بنسخٍ من كلِّ شيءٍ يُبرمُهُ. ربما لديهِ شيءٌ في منزلِهِ." قالَ الحاجّ إبراهيم.

عادتْ فاطمةُ وسارةُ إلى القريةِ وقلبُهما مُثقلٌ بالأملِ الجديد. بدأتا تُفتّشانِ في أغراضِ خالدٍ بحذرٍ ودقّة. بعدَ ساعاتٍ من البحثِ في صندوقٍ قديمٍ في أعلى الخزانة، وجدتا ملفًا كبيرًا مُغلقًا. كانَ مكتوبًا عليهِ بخطِّ خالد: "أمانةٌ لعائلتي".

فتحتا الملفّ، ووجدتا بداخلهِ نسخًا من العقود، ورسائلَ مُتبادلةً بينَ خالدٍ وعادل الرفاعي، ورسوماتٍ هندسيةً تفصيليةً لمشروعِ الصرفِ الصحيّ. كانتْ الرسائلُ تُظهرُ بوضوحٍ كيفَ كانَ عادلُ الرفاعي يُماطلهُ ويُغيّرُ شروطَ العقد. كانتْ هذهِ المستنداتُ هي الدليلُ الذي يبحثونَ عنه.

"لدينا الدليلُ يا أمي!" صاحتْ سارةُ بفرحٍ مختلطٍ بالدموع.

"الحمدُ لله. سيظهرُ الحقُّ بإذنِ الله." قالت فاطمةُ وهي تُعانقُ ابنتَها.

كانتْ خيوطُ الماضي قد بدأتْ تتكشفُ، مُلقيةً ضوءًا على الظلمِ الذي تعرّضَ لهُ خالد. الآن، أصبحَ لديهم الأملُ في مواجهةِ عادل الرفاعي، ليسَ فقط لردِّ دينِ والدهم، بل لكشفِ حقيقتِهِ أمامَ الجميع. كانتْ هذهِ بدايةَ فصلٍ جديدٍ من معركتهم، معركةٌ سيخوضونَها بقوةٍ أكبر، وبإيمانٍ راسخٍ بأنّ الحقَّ سينتصرُ في نهايةِ المطاف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%