دموع في زمن الحزن
الفصل 7 — امتحانٌ قاسٍ في سوقِ الحياة
بقلم هند الزهراني
الفصل 7 — امتحانٌ قاسٍ في سوقِ الحياة
فتحتْ ليلى عينيها على إشراقةِ شمسٍ جديدة، لكنها لم تكنْ كإشراقاتِ الأيامِ الخوالي. كانَ الضوءُ يبدو باهتاً، محمّلاً بثقلِ المسؤولياتِ التي تقعُ على عاتقها. تذكرتْ وعدها لوالدها، وعدَ خبزِ الكعكِ الذي بدا الآنَ كرمزٍ لمعركةٍ أكبر. معركةٌ استعادةُ الحياةِ لطبيعتها، أو على الأقلِ محاولةُ التأقلمِ مع واقعٍ جديد.
دخلتْ المطبخَ، الذي كانَ يفوحُ دائماً برائحةِ خبزِ أمها. كانتْ الروائحُ الآنَ محملةً بالألم، لكنها حاولتْ أن تتجاهلَ ذلك. وقفتْ أمامَ خزانةِ المكونات، تتفحصُ ما لديها. كانتْ قد أعدتْ قائمةً بالمكوناتِ اللازمةِ مساءَ أمس، لكن رؤيتها الآنَ جعلتها تشعرُ بالرهبة. هل ستتمكنُ من فعلِ ذلك؟ هل ستكونُ قادرةً على استحضارِ نفسِ الحنانِ والدقةِ التي كانتْ تتمتعُ بها أمها؟
بدأتْ بجمعِ المكوناتِ بتردد. الطحين، السكر، البيض، الزبدة... كلُّ شيءٍ كانَ يبدو عادياً، لكنها كانتْ تشعرُ بأن كلَّ حركةٍ تقومُ بها تحتَ المجهر. مجهرُ ذاكرتها، ومجهرُ توقعاتِ والدها.
"السرُّ هو الحب، يا ليلى." تذكرتْ صوتَ أمها. "عندما تضعينَ قلبكِ في كلِّ شيءٍ تفعلينَهُ، سينعكسُ ذلكَ على النتيجة."
حاولتْ ليلى أن تتذكرَ كيف كانتْ أمها تتحركُ في المطبخ، تلكَ الرقصةَ الهادئةَ بينَ الأدواتِ والمكونات. وكيف كانتْ تهمسُ للخليطِ كأنها تحدثُ صديقاً عزيزاً. استنشقتْ عبقَ الفانيليا، وحاولتْ أن تستحضرَ ذلكَ الشعورَ الذي كانتْ والدتها تصفهُ بـ "السحرِ الصغير".
بدأتْ بالخلطِ، بحذرٍ شديد. كانتْ تقيسُ المكوناتِ بدقةٍ متناهية، تقرأُ الوصفةَ مراراً وتكراراً. كانتْ يداها ترتجفانِ قليلاً في البداية، لكن شيئاً فشيئاً، بدأتْ تشعرُ بأنها تستعيدُ بعضَ التوازن. بدأَ الخليطُ يتشكلُ أمامها، قوامٌ ناعمٌ ينمو تحتَ يديها.
عندما وضعتْ الخليطَ في القالبِ وأدخلتهُ إلى الفرن، شعرتْ بقلبها يمتلئُ بخليطٍ من الخوفِ والأمل. جلستْ على إحدى كراسي المطبخ، تتأملُ بابَ الفرنِ المغلق. كانتْ كلُّ دقيقةٍ تمرُ كأنها ساعة.
بعدَ حوالي نصفِ ساعة، بدأتْ رائحةٌ زكيةٌ تفوحُ من الفرن. رائحةٌ مألوفة، رائحةُ الكعكِ الذي كانتْ تحبُه. أغمضتْ ليلى عينيها، واستنشقتْ بعمق. كانتْ تلكَ الرائحةُ تحملُ معها دفءَ الماضي، وذكرى الأوقاتِ السعيدة.
عندما فتحتْ الفرنَ، وجدتْ الكعكةَ قد نضجتْ. كانتْ ذهبيةَ اللون، ومنتفخةً بشكلٍ جميل. لم تكنْ مثاليةً تماماً، كانتْ هناكَ بعضُ التشققاتِ هنا وهناك، لكنها بدتْ... جميلة. جميلةٌ بطريقتها الخاصة.
عندما عادَ والدها من عملِهِ، استقبلهُ المطبخُ برائحةٍ عطرة. توقفَ عندَ عتبةِ المطبخ، وابتسامةٌ واسعةٌ ارتسمتْ على وجههِ. رأى الكعكةَ على الطاولة، وتوجهَ نحوها.
"ما شاء الله، يا ليلى." قالَ بصوتٍ مليءٍ بالفخر. "تبدو رائعةً حقاً."
قطعتْ ليلى شريحةً وقدمتها له. نظرَ إليها، ثم أخذَ قضمةً صغيرة. أغمضَ عينيهِ للحظة، كأنه يتذوقُ طعمَ ذكرياتٍ قديمة.
"تماماً مثلَ والدتكِ." قالَ أخيراً، وعيناهُ تلمعانِ بالدموع. "تماماً مثلَها."
كانتْ تلكَ الكلماتُ أثمنَ من أيِّ ثناء. شعرتْ ليلى بأن ثقلاً قد أزيحَ عن صدرها. نجحتْ في الامتحانِ الأول. لم يكنْ مجردَ امتحانٍ في الطبخ، بل كانَ امتحانٌ في استعادةِ القوة، في إثباتِ الذات، في إظهارِ للعالمِ ولنفسها بأنها قادرةٌ على تجاوزِ الأحزان.
لكن، لم يكنْ الطريقُ خالياً من العثرات. ففي الأيامِ التالية، بدأتْ تأتيهم أخبارٌ غيرُ سارةٍ عن وضعِ الشركةِ التي كانَ يديرها والدها. كانتْ تواجهُ صعوباتٍ مالية، وتراكماتٍ من الديون. أصبحَ وجهُ والدها أكثرَ تعباً، وأصبحتْ نظراتهُ تحملُ قلقاً أعمق.
في إحدى الليالي، سمعتْ ليلى والدها يتحدثُ معَ أحدِ أقاربهِ عبرَ الهاتف، وصوتهُ كانَ خافتاً ولكنهُ يعكسُ يأساً. "لا أعرفُ ماذا أفعل. كلُّ الأبوابِ تبدو موصدة. ربما... ربما عليَّ أن أبيعَ البيت."
تجمدتْ ليلى في مكانها. البيت؟ بيتُ الذكريات، بيتُ الأمان؟ لم تستطعْ أن تتخيلَ حياتها خارجه. شعرتْ بأن الأرضَ تميدُ بها. كانتْ قد بدأتْ تستعيدُ توازنها، والآنَ يبدو أن كلَّ شيءٍ على وشكِ الانهيارِ مرةً أخرى.
في اليومِ التالي، واجهتْ والدها. "هل هذا صحيحٌ يا أبي؟ هل سنتركُ البيت؟"
نظرَ إليها والدها بقلبٍ موجع. "لا أعرفُ يا ابنتي. الظروفُ صعبةٌ جداً."
شعرتْ ليلى ببرودةٍ تسري في عروقها. كانتْ تعتقدُ أنها نجحتْ في امتحانٍ واحد، لتجدَ نفسها أمامَ امتحانٍ قاسٍ آخر، امتحانٌ ليسَ فقط لأجلِها، بل لأجلِ مستقبلِها ومستقبلِ والدها. امتحانٌ في سوقِ الحياةِ القاسي، حيثُ لا مكانَ للضعف، وحيثُ يجبُ أن تقاتلَ بكلِّ ما أوتيتَ من قوةٍ لتتمسكَ بما بقيَ لها من بقايا الأمل.