دموع في زمن الحزن
الفصل 9 — كهفُ الأسرارِ وصندوقُ الذكريات
بقلم هند الزهراني
الفصل 9 — كهفُ الأسرارِ وصندوقُ الذكريات
كانَ قلبُ ليلى يخفقُ بقوةٍ وهيَ تسيرُ في الممرِ الضيقِ المؤدي إلى مخزنِ المنزلِ القديم. كانَ المكانُ شبهَ مظلم، تفوحُ منهُ رائحةُ الغبارِ والخشبِ القديم. كانتْ قد أبلغتْ والدها بأنها تريدُ البحثَ عن بعضِ الأشياءِ القديمة، لكنها لم تخبرهُ عن الرسالةِ الغامضة، خوفاً من أن يقلقَ أكثرَ مما هوَ قلقٌ بالفعل.
وصلتْ إلى ركنٍ مظلمٍ من المخزن، حيثُ توجدُ خزانةُ ملابسِ والدتها القديمة. كانتْ الخزانةُ مصنوعةً من خشبِ الجوزِ الداكن، ومزينةٌ بنقوشٍ دقيقة. وقفتْ أمامها، تتذكرُ كيف كانتْ والدتها تفتحُ أبوابها برشاقة، وكيف كانتْ رائحةُ عطرها تفوحُ منها.
"المفتاحُ في الرقمِ سبعة." همستْ لنفسها.
بحثتْ عن علاماتٍ تدلُ على وجودِ سبعةِ أدراج. لم يكنْ هناكَ أيُّ شيءٍ ظاهر. تذكرتْ أن صندوقَ المجوهراتِ الذي تحدثتْ عنه الرسالة، كانَ مخبأً في درجٍ سريٍ في الجزءِ السفلي من الخزانة.
بدأتْ ليلى تفحصُ الألواحَ الخشبيةِ في الجزءِ السفلي من الخزانة. ضغطتْ هنا وهناك، دفعتْ وسحبتْ، لكن شيئاً لم يتحرك. بدأَ اليأسُ يتسللُ إليها. هل أخطأتْ في تفسيرِ الرسالة؟ هل الرقمُ سبعةُ لهُ معنىً آخر؟
وفجأةً، وبينما كانتْ تضغطُ على قطعةٍ خشبيةٍ صغيرةٍ تبرزُ قليلاً عن بقيةِ السطح، سمعتْ صوتاً خافتاً، صوتَ "طقطقةٍ" ميكانيكية. انزلقَ جزءٌ صغيرٌ من اللوحِ الخشبي، ليظهرَ خلفهُ درجٌ صغيرٌ جداً، بالكادِ يمكنُ رؤيته. كانَ هذا هوَ الدرجُ السري.
فتحتهُ ليلى ببطء. بداخلهِ، لم يكنْ هناكَ مجوهراتٌ لامعة، بل كانَ هناكَ صندوقٌ خشبيٌ صغيرٌ، مزينٌ برسوماتٍ دقيقةٍ لزهورٍ وأعشاب. كانَ صندوقاً قديماً، يبدو أن لهُ تاريخاً طويلاً.
"هذا هوَ الصندوق،" قالتْ ليلى لنفسها. "لكن أينَ هوَ المفتاح؟"
نظرتْ إلى الصندوقِ بعناية. لم يكنْ لهُ قفلٌ ظاهر. لكن، عندما قلبتْهُ، لاحظتْ وجودَ نقشٍ دقيقٍ في الأسفل. كانَ نقشاً لزهرةٍ وحيدة، وبجانبها سبعةُ نقاطٍ صغيرة.
"الرقمُ سبعة!" هتفتْ ليلى بصوتٍ خافت.
بدأتْ تفكرُ. سبعةُ نقاط. هل يجبُ عليها الضغطُ عليها بترتيبٍ معين؟ أم أنها تشيرُ إلى شيءٍ آخر؟ تذكرتْ كيف كانتْ والدتها تحبُّ زهرةَ الياسمين، وكيف كانتْ تقولُ إن رائحتها تشبهُ رائحةَ الجنة.
تذكرتْ أيضاً كيف كانتْ والدتها تحبُّ أن ترتبَ أزهارَ الياسمينَ السبعةَ التي كانتْ تقطفها كلَّ صباحٍ وتضعها في إناءٍ صغيرٍ على طاولةِ الطعام. كانتْ تقولُ إنها تجلبُ البركةَ والهدوء.
هل يمكنُ أن تكونَ النقاطُ السبعُ تشيرُ إلى ترتيبٍ معينٍ لفتحِ الصندوق؟ بدأتْ ليلى تتذكرُ ترتيبَ وضعِ الأزهار. هل كانَ من اليمينِ إلى اليسار؟ أم من اليسارِ إلى اليمين؟
أغلقتْ عينيها، وحاولتْ أن تستحضرَ صورةَ والدتها وهيَ ترتبُ الأزهار. كانتْ دائماً تبدأُ من اليسار، وتضعُ الأزهارَ الواحدةَ تلوَ الأخرى.
عادتْ ليلى إلى الصندوق، وبدأتْ تضغطُ على النقاطِ السبعِ بالترتيبِ الذي تذكرتهُ، من اليسارِ إلى اليمين. بعدَ الضغطِ على النقطةِ السابعة، سمعتْ صوتَ "تكتكةٍ" أخرى، وكأنَّ آليةً داخليةً قد تحركت.
ارتعشتْ يداها وهيَ ترفعُ غطاءَ الصندوق. بداخلهِ، لم تجدْ كنوزاً من الذهبِ أو الأحجارِ الكريمة. بل وجدتْ شيئاً أثمنَ بكثير: مجموعةً من الرسائلِ القديمة، وصورةً قديمةً جداً لوالدتها وهيَ شابةٌ جداً، تحملُ ابتسامةً مشرقة. كما وجدتْ مفتاحاً صغيراً قديماً، مصنوعاً من البرونز.
وبجانبِ كلِّ هذا، وجدتْ قطعةَ قماشٍ صغيرةٍ مطرزةٍ يدوياً، عليها عبارةٌ مكتوبةٌ بالخيطِ الفضي: "الجوهرةُ المضيئة".
"هذهِ هيَ الجوهرةُ المضيئة،" همستْ ليلى، وهيَ تلمسُ قطعةَ القماشِ برقة. لم تكنْ جوهرةً حقيقية، بل كانتْ رمزاً لشيءٍ أعمق.
فتحتْ الرسائلَ القديمة. كانتْ مكتوبةً بخطِ والدتها، وموجهةٌ إليها. قرأتْ إحداها:
"يا ابنتي الحبيبة ليلى، إذا كنتِ تقرأينَ هذهِ الرسائل، فهذا يعني أنكِ وجدتِ صندوقي السري. أتمنى أن تكوني قد فهمتِ أنَّ كنوزَ الحياةِ الحقيقيةِ ليستْ في الذهبِ أو الفضة، بل في الذكرياتِ الجميلة، والحبِّ الصادق، والمعرفةِ التي نبنيها. هذا المفتاحُ الذي تجدينهُ هنا، هوَ مفتاحٌ للخزانةِ القديمةِ في بيتِ جدكِ. كانتْ هذهِ الخزانةُ تحتوي على بعضِ المستنداتِ الهامةِ التي تخصُّ والدكِ، والتي قد تساعده في أزمتهِ الحالية. كنتُ أخافُ أن أضعها في مكانٍ ظاهرٍ خوفاً من بعضِ الأشخاصِ الذينَ قد يستغلوننا. لا تخافي أبداً يا ابنتي. أنتِ قويةٌ وذكية، ولدتِ لتتغلبي على الصعاب. تذكري دائماً أنَّ نورَ أمكِ معكِ. أحبكِ، أمكِ."
شعرتْ ليلى بقشعريرةٍ تسري في جسدها. والدتها! لقد فكرتْ بها، وتركتْ لها دليلاً لمساعدتها في هذا الوقتِ العصيب. كانتْ والدتها دائماً تفكرُ في الآخرين، حتى في أصعبِ الظروف.
نظرتْ إلى الصورةِ القديمة. كانتْ والدتها تبدو مشرقةً وسعيدة. تذكرتْ تلكَ الأيام، ورغمَ الحزنِ الذي يعتريها، شعرتْ بقوةٍ جديدةٍ تتجددُ بداخلها.
"النهرُ الهادئ"... هل كانَ يقصدُ خزانةَ جدها؟ جدها كانَ يسكنُ قربَ نهرٍ صغيرٍ في القريةِ القديمة. كانتْ تلكَ الخزانةُ بالتأكيدٍ مخبأةٌ هناك.
كانتْ هذهِ الاكتشافاتُ نقطةَ تحول. لم تعدْ مجردَ فتاةٍ حزينةٍ تبكي على ماضيها. بل أصبحتْ محاربةً صغيرة، تحملُ بينَ يديها مفتاحاً لحلِّ مشاكلِ عائلتها، وربما لكشفِ حقيقةٍ كانتْ مخبأةً لسنوات.