بريق الأمل عند الغروب
الفصل 17 — رياحٌ عاتيةٌ ودروسٌ قاسية
بقلم وفاء البكري
الفصل 17 — رياحٌ عاتيةٌ ودروسٌ قاسية
مع كل خطوةٍ كانت تخطوها ليلى نحو تحقيق حلمها، كان يبدو أن الحياة تضع أمامها عقباتٍ جديدة، وكأنها تمتحن مدى إصرارها وشغفها. كان لقاؤها الأول مع ماجد قد بث فيها أملاً كبيراً، وبدأت دراسة الجدوى تسير بخطواتٍ سريعة. كان ماجد متعاوناً جداً، يقدم لها النصائح والدعم، ويبدو أنه يمتلك شبكة علاقاتٍ واسعة في عالم المال والأعمال.
"أظن أننا بحاجةٍ إلى بعض التمويل الإضافي لتغطية تكاليف الإيجار الأولي للمكان الذي اخترناه، وشراء بعض الآلات الحديثة"، قالت ليلى لماجد في أحد اجتماعاتهما. "كما أننا بحاجةٍ إلى فريق تسويقٍ صغير."
"لا تقلقي يا ليلى"، أجاب ماجد بابتسامةٍ واثقة. "لقد تحدثتُ مع أحد أصدقائي، وهو رجل أعمالٍ لديه اهتمامٌ كبيرٌ بالمشاريع الإبداعية. يبدو أنه مستعدٌ للنظر في الأمر بجدية."
شعرت ليلى بأن حلمها يقترب من التحقق. بدأت تبحث عن المكان المناسب، وتتفاوض مع بعض الموردين للأقمشة والملابس. كانت حماسها يملأ كل خليةٍ في جسدها، وكانت ترى الألوان الزاهية لمستقبلها تتشكل أمام عينيها.
في المقابل، كان خالد يشعر بقلقٍ متزايد. لقد لاحظ أن شركة "الأفق الجديد" بدأت تظهر بشكلٍ مفاجئ في المناقصات الهامة، وأنها غالباً ما تتقدم بعروضٍ تنافسية للغاية، مما يهدد حصة شركته في السوق. لقد حاول معرفة المزيد عن هذه الشركة، لكن المعلومات كانت شحيحة.
"هل لديكِ أي معلوماتٍ جديدة عن شركة 'الأفق الجديد'؟" سأل خالد سارة في أحد الأيام.
"بحثنا كثيراً يا سيدي، لكن لا يبدو أن لديهم موقعاً إلكترونياً رسمياً، أو أي تواجدٍ إعلامي. كل ما نعرفه هو أنهم بدأوا العمل منذ حوالي عام، وأنهم حققوا نمواً سريعاً جداً."
"هذا غريبٌ جداً"، تمتم خالد. "لا بد أن هناك شيئاً ما."
في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تجري بعض الأبحاث عبر الإنترنت، وقعت عيناها على إعلانٍ صغيرٍ لورشة عملٍ عن "التسويق الرقمي للمشاريع الناشئة". كان الإعلان يحمل اسم "ماجد العلي" كمنظم. تذكرت ليلى أن ماجد قد ذكر لها اسم ماجد العلي كأحد أصدقائه المستثمرين. شعرت ببعض الدهشة، وقررت أن تحضر الورشة لمعرفة المزيد.
في الورشة، وجدت ليلى أن ماجد العلي ليس مجرد رجل أعمال، بل هو أيضاً شخصٌ ذو كاريزما عالية، ويتحدث بحماسٍ وشغف عن عالم الأعمال. لكنها لاحظت شيئاً غريباً. عندما تحدث عن المنافسة، كان يشير بطريقةٍ مبطنةٍ إلى شركاتٍ كبيرةٍ في السوق، وكأن لديه ضغينةً شخصيةً تجاهها.
بعد انتهاء الورشة، اقتربت ليلى من ماجد العلي. "سيد ماجد، أنا ليلى، ابنة فاطمة. لقد تحدثتُ مع السيد ماجد عن مشروعي."
ابتسم ماجد العلي ابتسامةً ودودة. "آه، نعم! سمعتُ الكثير عنكِ. يبدو أن لديكِ أحلاماً كبيرة."
"نعم، وأنا أسعى لتحقيقها. لقد كان السيد ماجد متعاوناً جداً."
"بالتأكيد، ماجد شخصٌ رائع. إنه يساعد الكثير من الشباب الطموح."
لكن ليلى شعرت بشيءٍ من التردد في نبرة صوته. بدأت تراودها بعض الشكوك. هل كل شيءٍ على ما يرام؟
في تلك الفترة، بدأت الأمور تتعقد. استدعى ماجد ليلى لاجتماعٍ عاجل. "ليلى، حدثت بعض التغييرات المفاجئة في السوق. يبدو أن أحد المنافسين الرئيسيين لنا يواجه صعوباتٍ مالية، وقد أدى ذلك إلى اضطرابٍ في خططنا الاستثمارية."
"ماذا يعني ذلك؟" سألت ليلى بقلق.
"يعني أن التمويل الذي كنا نتوقعه قد يتأخر قليلاً. لكن لا تقلقي، أنا أعمل على إيجاد حلولٍ بديلة."
بدأت ليلى تشعر بالقلق يتسلل إلى قلبها. شعرت بأن شيئاً ما ليس صحيحاً. بدأت تفكر في حديثها مع ماجد العلي، وفي كلماته الغامضة عن المنافسين.
في تلك الأثناء، كان خالد قد بدأ يشك في أن هناك مؤامرةً تحاك ضده. لقد لاحظ أن بعض صفقاته الهامة قد تم سحبها في اللحظة الأخيرة، وأن مناقصاتٍ كان واثقاً من الفوز بها ذهبت لشركة "الأفق الجديد". قرر أن يبدأ تحقيقاً خاصاً به.
لقد كلف أحد المحققين الخاصين لتقصي أخبار شركة "الأفق الجديد"، ومن يقف وراءها. بعد عدة أيام، جاء المحقق بالمعلومات. "سيدي، تبين أن شركة 'الأفق الجديد' ليست شركةً حقيقية، بل هي واجهةٌ استخدمها رجل أعمالٍ يدعى 'ماجد العلي'، وهو منافسٌ قديمٌ لك في السوق. يبدو أنه يستخدم هذه الشركة للتشويش عليك، وسرقة بعض أفكارك وعقودك."
شعر خالد بصدمةٍ وغضب. "ماجد العلي؟ هذا الرجل! لقد كنتُ أشك في أنه يقف خلف هذه التحركات."
"ولكن هناك ما هو أغرب يا سيدي"، أضاف المحقق. "يبدو أن ماجد العلي قد عقد شراكةً مع شخصٍ قريبٍ منك، لشخصٍ كان يدعم أفكارك ويشجعك على التوسع."
"من؟" سأل خالد بصوتٍ مرتعش.
"السيد ماجد، صديق خالك أحمد."
شعر خالد بالذهول. "ماجد؟ لا يمكن! كيف؟"
"يبدو أن ماجد كان يستخدم علاقاته مع خالك أحمد، ومن ثم معك، لمعرفة خططك، وربما لسرقة بعض أفكارك. يبدو أنه أراد استخدام اسمك وسمعتك لكسب ثقة المستثمرين، ثم استغلال ذلك لصالحه."
في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. كانت تشعر بالمرارة والقهر. لقد علمت من ماجد أن التمويل الذي وعدها به قد تم سحبه نهائياً، وأن خطط توسيع مشغلها قد تأجلت إلى أجلٍ غير مسمى. لكن ما صدمها حقاً، هو عندما اكتشفت عن طريق الصدفة، أن شركة "الأفق الجديد" التي يرأسها ماجد العلي، هي نفسها الشركة التي كانت ليلى تسعى للحصول على تمويلٍ منها. لقد اكتشفت أن ماجد العلي وماجد، كانا يعملان معاً، وأن كل ما حدث كان جزءاً من خطةٍ أكبر.
"كيف لك يا ماجد أن تفعل هذا بي؟" سألت ليلى ماجد بدموعٍ تنهمر من عينيها. "لقد وثقت بك. لقد آمنت بأحلامي معك."
بدا على ماجد بعض الارتباك، لكنه حاول التظاهر بالهدوء. "ليلى، أنا آسف. لقد حدثت ظروفٌ خارجة عن إرادتنا. ماجد العلي هو من يتحكم في الأمور الآن، وهو رجلٌ لا يرحم."
لكن ليلى لم تعد تصدق كلمةً واحدة. لقد أدركت أن العالم ليس دائماً كما يبدو، وأن الثقة يمكن أن تكون سلاحاً ذا حدين. لقد تعلمت درساً قاسياً عن الغدر والخداع. شعرت بأن حلمها قد تحطم، وأن كل الجهود التي بذلتها قد ذهبت سدى.
بينما كانت ليلى تجلس وحيدةً في شقتها، تحتضن دموعها، كانت فاطمة تدرك أن ابنتها تمر بأصعب لحظات حياتها. لم تكن تدري كل التفاصيل، لكنها شعرت بوطأة الألم الذي يثقل كاهل ابنتها. كانت تعلم أن هذا الألم، رغم قسوته، قد يكون بدايةً لقوةٍ أكبر.