بريق الأمل عند الغروب

الفصل 8 — صدى الأيام الأولى ودعوة غامضة

بقلم وفاء البكري

الفصل 8 — صدى الأيام الأولى ودعوة غامضة

بعد زيارة فاطمة، بدأت أمينة تشعر ببعض القلق. لم يكن الأمر يتعلق بخوفٍ مباشر، بل بفضولٍ مدفوعٍ بالرغبة في فهم ماضي زوجها بشكلٍ أفضل. كانت فاطمة، بشخصيتها الثرثارة، قد زرعت بذور الشك والتساؤل في قلبها. ورغم أنها حاولت أن تطمئن عمر، إلا أنها هي نفسها لم تستطع تجاهل ما سمعته.

في الأيام التالية، بدأت أمينة تستكشف بعض الأوراق القديمة التي تركها أحمد. كانت معظمها فواتير، ودفاتر حسابات، وبعض العقود. لكنها كانت تبحث عن أي شيءٍ قد يشير إلى ديونٍ كبيرة، أو تعاملاتٍ مشبوهة. في أحد الأدراج، وجدت دفترًا صغيرًا، كان يبدو أنه مذكرات شخصية. لم يكن أحمد شخصًا يكتب مذكراته عادةً، فكان هذا شيئًا غريبًا.

فتحت الدفتر بحذر، وبدأت تقرأ. كانت الكلمات مكتوبة بخط أحمد، ولكنها كانت موجزة، وفي بعض الأحيان مشفرة. كانت هناك تواريخ، وأرقام، وأسماء لم تعرفها. كان واضحًا أن أحمد كان يحتفظ ببعض الأمور لنفسه.

"التاريخ: 15/03/2019. الموعد مع 'الزنبق'. تمت الصفقة. الدفع تم. الأمل يبدأ في الظهور."

"التاريخ: 02/04/2019. اجتماعٌ متوترٌ في المقهى. 'الزنبق' يطالب بالمزيد. التكلفة تتزايد. قلبي يدق بعنف."

"التاريخ: 10/05/2019. 'الزنبق' غير راضٍ. يهدد بالكشف. الوضع خطير. لا أستطيع البوح لأحد."

شعرت أمينة بالدوار. من هو "الزنبق"؟ وما هي الصفقة؟ وما الذي كان أحمد يخفيه؟ كانت هذه الكلمات تزيد من قلقها، ولا تخفف عنه. كان أحمد دائمًا صريحًا معها، أو هكذا كانت تظن. هل كان يخفي عنها جزءًا كبيرًا من حياته؟

بعد أيامٍ قليلة، وبينما كانت أمينة في عملها، تلقت اتصالاً هاتفيًا من رقمٍ غريب. لم يكن الرقم مسجلاً في هاتفها.

"ألو؟" قالت أمينة بتردد.

"هل أتحدث مع السيدة أمينة؟" سأل صوتٌ ذكوريٌ عميق، بدا عليه الهدوء، ولكنه كان يحمل نبرةً من السلطة.

"نعم، أنا أمينة. من المتحدث؟"

"اسمى سمير. أنا صديقٌ قديمٌ لأحمد. سمعتُ عن وفاته، وحزنتُ كثيرًا. كنتُ أود أن أطمئن عليكِ وعلى ابنكِ."

لم تتذكر أمينة أي صديقٍ لأحمد بهذا الاسم. "سمير؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل. هل أنت متأكدٌ أنك تعرف أحمد؟"

"أعرفه جيدًا. لقد عملنا معًا في بعض المشاريع قبل سنوات. كانت لدي بعض المعلومات التي قد تفيدكِ. هل تسمحين لي بلقائكِ؟"

شعرت أمينة بالخوف. كانت هذه الدعوة غامضة، والصوت كان غريبًا. هل كان هذا الشخص حقيقيًا؟ أم أنه مجرد شخصٍ آخر يحاول استغلال ضعفها؟

"أنا لستُ متأكدةً يا سيد سمير. لا أعرفك." قالت أمينة بصوتٍ متردد.

"أتفهم قلقكِ. ولكن، أرجوكِ. أنا لا أريد شيئًا منكِ. فقط أريد أن أقدم لكِ المساعدة. لقد سمعتُ بعض الأمور عن ديون أحمد، وعن المشاكل التي واجهته. ربما أستطيع أن أقدم لكِ بعض التوضيحات."

كلمة "ديون" و"مشاكل" جعلت أمينة تشعر بأن هذا الرجل قد يكون لديه معلومات حقيقية. "أين ومتى؟" سألت بفضولٍ ممزوجٍ بالحذر.

"غدًا، في الساعة الرابعة عصرًا، في مقهى 'الأشجار' في شارع النخيل. هل هذا مناسب؟"

"سأفكر في الأمر." قالت أمينة، ثم أنهت المكالمة.

عادت أمينة إلى المنزل وقلبها يخفق بسرعة. هل يجب أن تذهب؟ هل ستكون هذه الخطوة صائبة؟ لقد أصبحت حياتها مليئةً بالألغاز، وكانت تشعر بأنها لا تستطيع البقاء في الظلام أكثر من ذلك.

في تلك الليلة، تحدثت مع عمر. "عمر، لقد تلقيتُ مكالمةً اليوم من شخصٍ يدعي أنه صديقٌ لأبيكِ. اسمه سمير. يريد أن يلقاني غدًا. هل تعرفين شيئًا عن صديقٍ لأبيكِ بهذا الاسم؟"

نظر عمر إلى والدته بقلق. "لا يا أمي. لم يذكر أبي أبدًا اسم سمير. ولكن، هل تثقين به؟"

"لا أعرف يا بني. يبدو أن هناك الكثير من الأمور التي لم أكن أعرفها عن والدك. ولكن، قال إنه يريد أن يساعدني. ربما لديه معلوماتٌ مهمة."

"أنا قلقٌ عليكِ يا أمي. هل أنتِ متأكدةٌ من الذهاب؟"

"لستُ متأكدةً تمامًا. ولكن، لا أستطيع الاستمرار في العيش في جهل. أريد أن أفهم ما حدث. إذا لم أذهب، سأظل دائمًا أتساءل."

"إذا، سأذهب معكِ." قال عمر بحزم.

"لا يا بني، هذا ليس مكانك. إنها أمورٌ تخصني، وقد تكون خطيرة."

"ولكنكِ أمي، وأنا ابنكِ. لا أستطيع ترككِ تذهبين وحدكِ. سأكون معكِ، ولن أترككِ."

نظرت أمينة إلى ابنها، ورأت في عينيه العزم والإصرار. شعرت بالدفء يملأ قلبها. وجود عمر بجانبها سيمنحها القوة. "حسنًا يا عمر. سنذهب معًا. ولكن، يجب أن تكون حذرًا، وأن تظل بجانبي طوال الوقت."

"بالتأكيد يا أمي."

في اليوم التالي، ذهب عمر وأمينة إلى مقهى "الأشجار". كان المقهى هادئًا، ومزينًا بالنباتات الخضراء. جلسا على طاولةٍ في زاويةٍ هادئة، ينتظران. بعد حوالي عشر دقائق، دخل رجلٌ يبدو في منتصف العمر، يرتدي ملابس رسمية، ويمشي بخطواتٍ واثقة. كان وجهه يبدو مألوفًا، ولكن أمينة لم تستطع تذكر من أين.

"هل أنتما السيدة أمينة وابنها؟" سأل الرجل بصوتٍ هادئ.

"نعم، أنا أمينة، وهذا ابني عمر."

"مرحباً. اسمي سمير. شكرًا لكما على المجيء." جلس الرجل مقابلهم.

"هل تعرف أبي؟" سأل عمر بفضول.

"نعم، أعرف أحمد. لقد كان رجلًا طيبًا، ولكنه وقع في بعض المشاكل. كنتُ أعلم أنه قد تحتاجين إلى بعض التوضيحات." بدأ سمير حديثه.

"لقد قرأتُ بعض مذكرات أحمد." قالت أمينة بتردد. "ووجدتُ فيها بعض الإشارات إلى 'الزنبق'."

"آه، 'الزنبق'. هذا الاسم الذي كان أحمد يستخدمه للإشارة إلى شخصٍ معين. شخصٌ كان يتعامل معه في بعض الأمور المالية. شخصٌ كان يمثل له مشكلةً كبيرة." قال سمير.

"من هو؟" سألت أمينة بلهفة.

"لم يكن اسمه الحقيقي 'الزنبق'. كان اسمًا مستعارًا. هذا الشخص كان يعمل في مجالٍ مشبوه. كان أحمد قد اقترض منه مبلغًا كبيرًا من المال، وكان هذا المبلغ يفوق قدرته على السداد. كان أحمد يحاول أن يجد طريقةً لسداد الدين، ولكنه كان يتعرض لضغوطٍ شديدة."

"هذا ما قالته فاطمة أيضًا." قالت أمينة.

"فاطمة؟ جارتكم؟ نعم، سمعتُ أنها تحب الثرثرة. ولكن، في هذه الحالة، كانت معلوماتها قريبةً من الحقيقة. أحمد كان مدينًا لهذا الشخص، وكان هذا الشخص عنيفًا وغير رحيم. لقد حاول أحمد أن يتفاوض معه، ولكن لم ينجح الأمر."

"هل كان هذا سبب وفاته؟" سأل عمر.

صمت سمير للحظة. "لا، وفاته لم تكن بسبب هذا الدين مباشرةً. لقد كان أحمد يعاني من مرضٍ في القلب، والضغط الذي تعرض له قد يكون قد فاقم حالته. ولكن، لا شك أن هذه المشاكل المالية قد أثرت عليه بشكلٍ كبير."

"ولماذا لم تخبرنا بهذا من قبل؟" سألت أمينة.

"لم أكن أعرف أن أحمد قد توفي إلا مؤخرًا. وبعد ذلك، أردتُ أن أطمئن عليكما. لم أرغب في إثارة المزيد من القلق، ولكنني شعرتُ أنه من واجبي أن أخبركِ بالحقيقة. أحمد كان صديقًا عزيزًا."

"وماذا عن الدين؟ هل لا يزال موجودًا؟" سألت أمينة.

"لا، لقد تم سداد جزءٍ كبيرٍ منه قبل وفاته. والجزء المتبقي، ربما كان بسيطًا، ولم يعد يشكل خطرًا كبيرًا. ولكن، يجب أن تكونا حذرين. هذا الشخص الذي كان أحمد يتعامل معه، ربما لا يزال نشطًا في مجاله."

"ماذا يجب أن نفعل؟" سألت أمينة بقلق.

"حافظا على هدوئكما. لا تدعا أحدًا يتدخل في حياتكما. إذا شعرتم بأي خطر، اتصلا بالشرطة. أنا واثقٌ من أن أحمد قد ترك لكما ما يكفي لتجاوز هذه الفترة."

"لقد تركت لي شيئًا؟"

"نعم. لقد ترك لكِ بعض الأموال، وبعض الاستثمارات. كانت خطة أحمد دائمًا هي أن يؤمن لكِ ولابنكِ مستقبلًا جيدًا. لقد كان يحلم بذلك. ولكن، كان لديه بعض الديون التي كان يحاول تسديدها قبل أن يرحل."

شعر عمر بارتياحٍ غريب. كان يعرف أن والده كان يحبه، وأن والدته كانت تحاول جاهدةً تجاوز المشاكل. سماع هذه الكلمات من سمير، أكد له أن والدته لم تكن وحدها في مواجهة هذه التحديات.

"شكرًا لك يا سيد سمير. لقد ساعدتنا كثيرًا." قالت أمينة بامتنان.

"لا شكر على واجب. أتمنى لكما كل التوفيق." قال سمير، ثم نهض من مقعده، وغادر المقهى بنفس الهدوء الذي دخل به.

جلست أمينة وعمر بصمتٍ للحظات، يفكران فيما سمعاه. لقد أضاءت بعض الأجزاء المظلمة من ماضي أحمد، ولكنها لم تكن نهاية القصة. كانت هناك المزيد من التساؤلات، والمزيد من الأسرار، ولكن الأهم من ذلك، كان هناك بريقُ أملٍ جديد. لقد فهمت أمينة الآن لماذا كانت تحاول إخفاء بعض الأمور عن عمر، ولماذا كانت تبذل كل هذا الجهد. لقد كانت تحاول حمايته، تمامًا كما كان يفعل والده.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%