شظايا من الماضي

الفصل 3 — ظلال الماضي على الحاضر

بقلم أمل الشمري

الفصل 3 — ظلال الماضي على الحاضر

جلست ليلى، ابنة خالد، في غرفتها الجامعية، تعكف على دراستها. أمامها كومة من الكتب والملاحظات، وفي يدها قلمٌ يتلوى بين أصابعها. كانت عيناها مثبتتين على الصفحة، لكن عقلها كان شارد الذهن. تفكر في جدتها، السيدة فاطمة. في الأيام الأخيرة، كانت جدتها تبدو منهكة أكثر من المعتاد، ونظراتها شاردة.

"هل كل شيء على ما يرام يا جدتي؟" سألتها ليلى في مكالمة هاتفية سابقة.

"نعم يا حبيبتي، كل شيء بخير. فقط بعض التعب."

لكن ليلى كانت تشعر أن هناك ما تخفيه جدتها، شيئاً يثقل كاهلها. كانت تعرف أن جدتها تحتفظ بالكثير من أسرار العائلة، وأنها نادراً ما تتحدث عن الماضي إلا بصعوبة.

في تلك الليلة، قررت ليلى أن تزور جدتها. لم تخبر والدها، أرادت أن تفاجئها. عندما وصلت إلى منزل جدتها، وجدت الباب مفتوحاً قليلاً. دخلت بخفة، ولم تسمع أي صوت.

"جدتي؟" نادت بصوتٍ خافت.

لم يأتِ رد. شعرت بقلقٍ خفيف. اتجهت نحو غرفة المعيشة، فوجدت جدتها جالسةً على الأريكة، تحدق في الفراغ. في يدها، كانت تحمل صندوقاً خشبياً قديماً.

"جدتي، ماذا تفعلين؟" سألت ليلى وهي تقترب منها.

نظرت فاطمة إلى حفيدتها، بدت عيناها غائمتين. "ليلى؟ لم أتوقع زيارتك."

"هل أنتِ بخير يا جدتي؟" سألت ليلى وجلست بجانبها. "ماذا يوجد في هذا الصندوق؟"

ترددت فاطمة قليلاً، ثم وضعت الصندوق على الطاولة أمامها. "هذه… أشياء قديمة. ذكريات."

فتحت فاطمة الصندوق ببطء. بداخله، كانت هناك مجموعة من الرسائل القديمة، صورٌ باهتة، وبعض المجوهرات العتيقة.

"هذه رسائل من والدكِ،" قالت فاطمة وهي تخرج حزمة من الأوراق الصفراء. "كان يكتب لي عندما كان مسافراً في رحلات عمله."

تناولت ليلى إحدى الرسائل، وقرأت بضع كلمات. كانت عبارات حب، واشتياق، ووعود بالعودة.

"كان والدكِ يحبكِ كثيراً يا جدتي،" قالت ليلى وهي تعيد الرسالة إلى فاطمة.

"وكان يحب خالد أكثر. لقد كان مخلصاً له، وسنداً. لكن…" توقفت فاطمة، وبدت عليها علامات الانفعال.

"ولكن ماذا يا جدتي؟" شجعتها ليلى. "لا تخافي، أنا هنا."

تنهدت فاطمة بعمق. "لقد كان هناك أمرٌ… لم أكن أعرف كيف أتعامل معه. شيءٌ حدث، وظل يلاحقنا."

"ما هو هذا الأمر؟" سألت ليلى، وشعرت بأنها على وشك اكتشاف سرٍ دفين.

"تذكرين والدكِ، أحمد؟"

"نعم، جدي. الذي توفي قبل أن أولد."

"لقد كان رجلاً طيباً، قوياً. ولكنه كان يخفي سراً. سراً يتعلق بعمله، وبشخصٍ… كان يتمنى أن يتخلص منه."

"من هذا الشخص؟"

"شخصٌ يدعى 'كمال'. كان زميلاً له في العمل، ولكنه كان حسوداً، وظالماً. كان أحمد يشعر بأنه يراقبه، وأن هناك خطراً يحدق به."

نظرت فاطمة إلى صورةٍ قديمة في الصندوق. كانت صورة لرجلٍ ذي ملامح حادة، وابتسامةٍ باردة. "هذا هو كمال."

"وماذا حدث؟" سألت ليلى، وقد بدأت تشعر بقشعريرة تسري في جسدها.

"لم أعرف التفاصيل الدقيقة. أحمد كان يتحفظ في الحديث عن عمله. لكنني كنت أشعر بالقلق. وفي إحدى الليالي، عاد أحمد إلى المنزل متعباً جداً، وبدا عليه الخوف. قال لي: 'لقد وضعت حداً لمشاكله، يا فاطمة. لقد انتهى كل شيء.'"

"هل تقصدين أنه…؟"

"لا أعرف ما حدث بالضبط. في اليوم التالي، اختفى كمال. ولم يعد أحدٌ يراه. وبعد فترة، بدأ الناس يتحدثون عن اختفائه، وعن أن أحمد قد يكون له يدٌ في الأمر."

"وهل كان له يد؟" سألت ليلى بصوتٍ مرتجف.

"أحمد لم يقل لي شيئاً. ولكنه كان يتغير. أصبح منطوياً، قلقاً. لم يعد يبتسم كما كان. كان يعيش في خوفٍ دائم."

"وماذا حدث له؟"

"بعد فترةٍ قصيرة، تعرض لحادثٍ غريب. سيارةٌ مجهولة دهسته وسرعان ما اختفت. لقد كانت وفاته… مفاجئة، ومشكوك فيها."

عمت الصمت الغرفة. نظرت ليلى إلى جدتها، ورأت في عينيها حزناً عميقاً، وندماً.

"هل كان ذلك الرجل، كمال، مسؤولاً عن وفاته؟"

"لا أعرف. لكنني أشك في ذلك. ربما كان هناك من أراد الانتقام منه. أحمد كان رجلاً شريفاً، لم يؤذِ أحداً. لكنه ربما أزعج أحداً بتصرفاته، أو بحقائقه."

"وهل حاول والدكِ، خالد، أن يبحث في الأمر؟"

"خالد كان شاباً صغيراً حينها. لقد كان يرى والدته تنهار، وكان يحاول أن يكون قوياً. لم يكن لديه القدرة على مواجهة كل ذلك. وكنت أنا… كنت أخشى أن أفقد ابني أيضاً."

"ولماذا لم تتحدثي عن هذا الأمر من قبل؟"

"لم أكن متأكدة. ولم أرد أن أزرع الشك في قلوبكم. لقد كنت أريد أن أعيش بسلام، وأترك الماضي في ماضيه. لكن… الظلال لا تموت بسهولة."

نظرت فاطمة إلى صورة أحمد. "لقد كان يحبنا كثيراً. وكان يود أن تكون حياتنا هادئة. ولكن العالم… ليس دائماً هادئاً."

"ولكن يا جدتي، هذا الظلم… لا يمكن أن يبقى."

"لقد مرت سنوات طويلة يا ليلى. ربما لم يعد هناك شيء يمكن فعله. ربما يجب أن نقبل بما حدث، وأن نعيش حياتنا، وأن نحمي عائلتنا."

أمسكت ليلى بيد جدتها. "لا يا جدتي. لا يمكننا أن نعيش ونحن نحمل هذا العبء. يجب أن نعرف الحقيقة. يجب أن نحارب من أجل الحقيقة."

شعرت فاطمة ببعض القوة تعود إليها. ربما كانت حفيدتها على حق. ربما حان الوقت لإنهاء هذا الفصل المظلم من تاريخ العائلة.

"وماذا سنفعل؟" سألت فاطمة، وقد بدأت عيناها تلمعان بنوعٍ من العزم.

"سنبحث. سنتقصى. سنحاول أن نجد كل الأدلة. وسنكتشف الحقيقة، مهما كانت صعبة."

أغلقت فاطمة الصندوق ببطء، لكنها شعرت بأن شيئاً ما قد تغير. لم تعد مجرد امرأة عجوز تحمل ذكريات الماضي، بل أصبحت جزءاً من عملية بحثٍ عن الحقيقة، عن العدالة.

"أعدكِ يا أحمد،" همست فاطمة وهي تنظر إلى صورته. "سنكتشف الحقيقة. ولن ندع ظلال الماضي تخنق مستقبلنا."

كانت ليلى تشعر بتعاطفٍ كبير مع جدتها، ومع جدها الذي لم تعرفه. كانت ترى في صمت عائلتها طول هذه السنوات، عبئاً ثقيلاً. والآن، حان وقت إزالته.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%