شظايا من الماضي
الفصل 4 — خيط رفيع من أمل
بقلم أمل الشمري
الفصل 4 — خيط رفيع من أمل
كانت الساعات تمر ببطء في مكتب المحامي القدير، السيد رياض. اجتمعت فاطمة وابنها خالد، وابنته ليلى، في غرفة الاجتماعات الفاخرة، التي تفوح منها رائحة الكتب القديمة والجلد الفاخر. كان الجو مشحوناً بالترقب، وببعض التوتر.
"السيدة فاطمة،" بدأ السيد رياض بصوته الرصين، "لقد اطلعت على كل الوثائق التي قدمتِها، وعلى تفاصيل القضية التي تودين طرحها."
أومأت فاطمة برأسها، وشعرت بأن قلبها ينبض بسرعة. "أتمنى أن تساعدنا يا سيدي. لقد تحملنا الكثير طوال هذه السنوات."
"أتفهم تماماً،" قال السيد رياض وهو يرتشف من فنجان قهوته. "وفاة السيد أحمد، زوجكِ، كانت حادثاً مؤسفاً، وبالتأكيد، كان هناك غموضٌ حولها. ولكن، لإثبات وجود جريمة، نحتاج إلى أدلة قوية، وبينة لا تدع مجالاً للشك."
نظرت فاطمة إلى خالد، ثم إلى ليلى. كانت ليلى قد أصرت على هذه الخطوة، بعد اكتشافها لرسائل والدها القديمة.
"لقد وجدنا بعض الرسائل، يا سيدي،" قالت ليلى، "تتحدث عن شخصٍ يدعى 'كمال'، وكان هناك خوفٌ واضح من هذا الشخص. كما أننا لدينا بعض الشهادات غير الرسمية من أصدقاء قدامى للسيد أحمد، تشير إلى وجود خلافاتٍ حادة بينه وبين هذا 'كمال'."
"هذا جيد،" قال السيد رياض، "ولكن ما هي طبيعة هذه الخلافات؟ هل كانت متعلقة بالعمل؟ أم شخصية؟"
"يبدو أنها متعلقة بالعمل،" أجاب خالد. "لكن والدي لم يكن يحدثنا كثيراً عن تفاصيل عمله. كان رجلاً متحفظاً."
"وهل لديكم أي دليلٍ ملموسٍ يربط السيد كمال بوفاة السيد أحمد؟" سأل المحامي.
"ليس لدينا دليلٌ مباشر،" اعترفت فاطمة بصوتٍ حزين. "لكننا نشعر بذلك. نشعر بأن وفاته لم تكن مجرد حادث."
تنهد السيد رياض. "الأمر صعب، ولكنه ليس مستحيلاً. إذا استطعنا العثور على أي شخصٍ كان قريباً من السيد أحمد في ذلك الوقت، أو أي شخصٍ لديه معلومات عن السيد كمال، فقد يساعدنا ذلك كثيراً. هل هناك أي زملاء للسيد أحمد لا يزالون على قيد الحياة؟"
"هناك عدد قليل،" قال خالد. "بعضهم سافر، وبعضهم فقدنا الاتصال بهم. ولكن، ربما يمكنني محاولة البحث عن بعضهم."
"ممتاز،" قال المحامي. "وليلي، أرجو منكِ أن تعطيني كل الرسائل التي وجدتيها، وأي وثائق أو صور قد تكون ذات صلة. كل معلومة، مهما بدت صغيرة، قد تكون مفتاحاً."
شعرت ليلى بالإصرار يتزايد بداخلها. لم يكن الأمر مجرد بحث عن الحقيقة، بل كان واجباً تجاه جدها، وتجاه والدها الذي تحمل عبء هذه القصة طوال حياته.
"لقد تحدثنا مع بعض جيراننا القدامى،" قالت فاطمة. "قالوا إنهم رأوا سيارةً مجهولة تتردد على الحي في الأيام التي سبقت وفاة أحمد. ولكن لم يستطيعوا تحديد نوعها أو رقم لوحتها."
"هذا أيضاً معلومة قيمة،" أضاف السيد رياض. "سنقوم بتسجيل هذه الشهادات. وسنحاول، قدر المستطاع، البحث عن أي سجلاتٍ قديمة متعلقة بتلك الفترة. قد يكون هناك تقارير شرطة، أو حتى أخبارٌ في الصحف القديمة، وإن كان هذا أمراً صعباً."
شعر خالد ببعض الأمل. لأول مرة منذ سنوات، كان هناك شخصٌ متخصص، يساعدهم في هذه القضية.
"هل تعتقد يا سيدي أننا سننجح؟" سأل خالد.
"لا يمكنني أن أعدكِ بالنجاح، يا بني،" أجاب المحامي بصدق. "ولكن يمكنني أن أعدكِ بأن أبذل قصارى جهدي. هذا النوع من القضايا، التي تعود إلى الماضي البعيد، يتطلب صبراً، ومثابرة، وحظاً جيداً. ولكن، إذا كانت هناك حقيقة، فغالباً ما تظهر."
نظرت فاطمة إلى حفيدتها ليلى، التي كانت تبدو متفائلة وقوية. "لقد علمتني يا أحمد، أن الأمل هو آخر ما يموت."
"وأنا، يا جدتي، لن أستسلم،" قالت ليلى بحزم. "حتى نجد الحقيقة."
خرجت العائلة من مكتب المحامي، وقد حملت معها خيطاً رفيعاً من الأمل. لم تكن الطريق سهلة، ولم تكن النتائج مضمونة، ولكنهم كانوا مستعدين لخوض هذه الرحلة.
"سأبدأ بالبحث عن زملاء والدي القدامى،" قال خالد. "سأحاول الاتصال بكل شخصٍ يمكنني الوصول إليه."
"وأنا سأقوم بتنظيم كل الرسائل والوثائق التي لدينا،" قالت ليلى. "سأضعها في ملفٍ منظم، لتسهيل عمل السيد رياض."
"وأنا،" قالت فاطمة، "سأدعو الله أن يرشدنا، وأن يكشف لنا الحقيقة. لقد تحملنا ما يكفي من الألم."
في الأيام التالية، انهمك الجميع في البحث. كان خالد يتواصل مع أصدقاء قدامى لوالده، وكان يسأل عن السيد كمال، وعن أي تفاصيل قد تتعلق بالخلافات. كانت ليلى تقضي ساعاتٍ في الأرشيفات، تبحث عن أي أخبارٍ قديمة، أو سجلاتٍ متعلقة بتلك الفترة. وكانت فاطمة، في صلاتها، تلتمس العون من الله.
كانت هناك لحظاتٌ من اليأس، لحظاتٌ يشعرون فيها بأنهم يسيرون في طريق مسدود. ولكن، في كل مرة، كان أحدهم يجد معلومة جديدة، أو يتذكر تفصيلاً قديماً، مما يعيد إليهم الأمل.
"لقد تحدثت مع السيد محمود، زميل والدي القديم،" قال خالد ذات يوم، وقد بدا عليه بعض الحماس. "قال لي إن السيد كمال كان يعمل في شركة منافسة، وكان يحاول الاستيلاء على مشاريع والدي. وأن السيد أحمد كان يرفض دائماً عروضه المشبوهة."
"وهذا يؤكد ما كنا نشك فيه،" قالت فاطمة. "لقد كان كمال شخصاً جشعاً، ولم يكن يريد أن يرى أحداً ينجح غيره."
"ولكن،" أضاف خالد، "قال لي السيد محمود أيضاً، إن السيد كمال كان له علاقاتٌ مشبوهة مع بعض الأشخاص ذوي السمعة السيئة. وأن والدي كان يخشى أن يتعرض للأذى بسببهم."
"إذاً، ربما لم يكن السيد كمال وحده،" قالت ليلى. "ربما كان هناك من يساعده."
بدأ الخيط الرفيع من الأمل ينمو، يتشعب، ويكشف عن شبكةٍ معقدة من الأحداث، والشكوك، والأسرار. لم تعد القضية مجرد حادثٍ غامض، بل أصبحت جريمةً محتملة، تحتاج إلى كشفها، وإلى تحقيقٍ جاد.
شعروا جميعاً بمسؤوليةٍ كبيرة. لم يكن الأمر مجرد استعادة سمعة أحمد، بل كان واجباً تجاه العدالة.