شظايا من الماضي
الفصل 5 — صدى صوتٍ قديم
بقلم أمل الشمري
الفصل 5 — صدى صوتٍ قديم
مرت أسابيعٌ على لقائهم بالمحامي. كانت الأجواء في المنزل قد تغيرت. لم تعد مجرد ذكرياتٍ حزينة، بل أصبحت بحثاً عن الحقيقة، عن إجابات. كان خالد، وليلى، وفاطمة، يعملون كفريقٍ واحد، مدفوعين برغبةٍ قوية في كشف ما حدث.
في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تقلب في مجموعةٍ من الأوراق القديمة التي حصلت عليها من أحد أصدقاء جدها، وقع بصرها على شيءٍ لفت انتباهها. كانت قائمةٌ طويلة بأسماء، وأرقام هواتف، وعناوين. كانت هذه القائمة ضمن أغراضٍ قديمة تخص جدها أحمد.
"هذا غريب،" تمتمت ليلى لنفسها. "ما هي هذه القائمة؟"
نظرت إلى العناوين. بعضها كان في المدينة، وبعضها في مدنٍ أخرى. ثم قرأت بعض الأسماء. بعضها كان مألوفاً، وبعضها الآخر لم تسمع به من قبل.
"أمي، أبي،" نادت ليلى، وقد بدت متوترة. "تعالوا انظروا إلى هذا."
اجتمع خالد وفاطمة حول ليلى. نظرت فاطمة إلى القائمة، وبدت عليها علامات الاستغراب.
"هذه… يبدو أنها قائمةٌ لبعض الأشخاص الذين كان والدي يتعامل معهم."
"ولكن، لماذا كل هذه الأرقام والعناوين؟" سألت ليلى. "ولماذا بعض هذه الأسماء تبدو وكأنها… سرية؟"
"ربما كانت قائمةً ببعض الأشخاص الذين كان يريد التواصل معهم لاحقاً،" اقترح خالد. "والدي كان رجلاً منظماً."
"ولكن، انظروا إلى هذا الاسم،" قالت ليلى وهي تشير إلى اسمٍ معين. "'سعيد العطار'. وهذا العنوان… يبدو أنه عنوانٌ قديمٌ لورشةٍ صغيرة. وماذا عن هذا؟ 'ناصر الحرفي'."
"أتذكر سعيد العطار،" قالت فاطمة فجأة، وقد ارتسمت على وجهها نظرةٌ من الشك. "كان يعمل في محلٍ صغير للأدوات الكهربائية، بالقرب من منزلنا. ولكنه كان رجلاً غريباً الأطوار. لم أكن أثق به كثيراً."
"وهل كان يتعامل معه والدي؟" سأل خالد.
"لا أعتقد ذلك. لم أسمع والدي يتحدث عنه قط."
"ربما كانت هذه القائمة مرتبطة بـ 'كمال'؟" اقترحت ليلى. "ربما كان والدي يجمع معلومات عنه، أو عن شركائه."
"هذا محتمل،" قال خالد، وهو ينظر إلى القائمة بتفحص. "علينا أن نستدعي السيد رياض. ربما لديه فكرةٌ عما يمكن أن تعنيه هذه القائمة."
بعد فترةٍ وجيزة، كان السيد رياض يجلس معهم، يدرس القائمة بعناية.
"هذه قائمةٌ مثيرة للاهتمام،" قال المحامي. "إذا كان السيد أحمد يحتفظ بها، فقد يكون لها أهمية. بعض هذه الأسماء تبدو وكأنها أسماءٌ مستعارة، أو أسماءٌ لعمالٍ يقومون بأعمالٍ محددة."
"هل تعتقد أن هذه الأسماء مرتبطة بـ 'كمال'؟" سألت فاطمة.
"هذا محتمل جداً،" أجاب السيد رياض. "ربما كان السيد أحمد يحاول معرفة المزيد عن شبكة 'كمال' وعن الأشخاص الذين يتعامل معهم. إذا استطعنا تحديد هوية هؤلاء الأشخاص، قد نجد دليلاً جديداً."
"سعيد العطار،" قالت ليلى. "هل يمكننا البحث عنه؟ ربما لا يزال يعيش في الحي، أو لديه محلٌ قريب."
"سنحاول،" قال خالد. "سأذهب إلى الحي القديم غداً، وأسأل عنه."
في اليوم التالي، ذهب خالد إلى الحي الذي كانت تعيش فيه عائلته قديماً. كان الحي قد تغير كثيراً، ولكن بعض المباني القديمة لا تزال قائمة. بدأ يسأل عن سعيد العطار، وعن محل أدواته الكهربائية. بعد بعض البحث، وجد محلّاً صغيراً، يبدو قديماً، ولكنه لا يزال يعمل.
دخل خالد المحل، واستقبله رجلٌ مسنٌ بلحيةٍ بيضاء.
"السلام عليكم،" قال خالد. "هل يمكنني أن أسأل عن السيد سعيد العطار؟"
نظر الرجل إليه بتمعن. "نعم، أنا هو. من تسأل؟"
"أنا خالد، ابن السيد أحمد. السيد أحمد… الذي كان يسكن في شارع النخيل."
عندما سمع الاسم، بدا على سعيد العطار بعض الاستغراب، ثم بعض الحذر.
"أحمد؟ نعم، أذكر السيد أحمد. رجلٌ طيب."
"لقد جئت إليك، سيدي، لأني وجدت قائمةً قديمة، وكان اسمك مدرجاً فيها، مع بعض المعلومات."
عرض خالد على سعيد العطار نسخةً من القائمة. نظر سعيد إلى الاسم، ثم إلى خالد. بدا عليه بعض الارتباك.
"القائمة؟ نعم، ربما… ربما كان السيد أحمد يريد بعض الأدوات الكهربائية الخاصة؟"
"لا أعتقد ذلك، سيدي. والدي لم يكن يتردد على محلك كثيراً."
صمت سعيد قليلاً، ثم قال بصوتٍ خفيض: "لقد كان السيد أحمد… رجلاً شجاعاً. لقد حاول أن يحمي الكثيرين."
"يحمي من؟" سأل خالد بلهفة.
"كان هناك رجلٌ شرير، اسمه كمال. كان يحاول السيطرة على كل شيء. وكان السيد أحمد… كان يقف في وجهه."
"هل كنت تعرف السيد كمال؟"
"كنت أراه. وكان يتردد على الحي. وكنت أعرف أنه… رجلٌ خطير. لقد كان السيد أحمد يحاول أن يجمع معلومات عنه، عن أفعاله. وكنت أنا… كنت أساعده قليلاً."
"تساعده؟ كيف؟"
"كنت أسمع بعض الأحاديث في المحل، عن صفقاتٍ مشبوهة، وعن أشخاصٍ يتعامل معهم. كنت أكتب بعض هذه المعلومات، وأعطيها للسيد أحمد. كان رجلاً يريد أن يحمي الناس من هذا الشر."
"هل كان هذا قبل وفاته؟"
"نعم. وقبل وفاته بفترةٍ قصيرة، كان السيد أحمد قلقاً جداً. قال لي إنه على وشك أن يكشف شيئاً كبيراً عن كمال. وأنه يخشى على حياته."
"وماذا حدث بعد وفاته؟"
"لقد اختفى كل شيء. اختفى كمال، واختفى السيد أحمد. وظل الخوف في قلوبنا. لم يعد أحدٌ يجرؤ على الحديث."
شعر خالد بثقلٍ هائل. لقد كانت هذه المعلومات، التي جمعها والده بصعوبة، هي المفتاح.
"هل تتذكر أي شيءٍ آخر؟ أي تفاصيل عن كمال، أو عن الأشخاص الذين كان يتعامل معهم؟"
"أتذكر أنه كان يتعامل مع بعض الأشخاص الذين كانوا يقومون بأعمالٍ غير قانونية. وكانوا يترددون على بعض الأماكن المشبوهة في المدينة. ولكن… كل هذا منذ زمنٍ طويل. وذاكرتي لم تعد قوية كما كانت."
شكر خالد سعيد العطار، وغادر المحل، وقد شعر بأن شبكة الأسرار بدأت تتفكك. لقد وجد أخيراً صدىً لصوت والده، صوت الحقيقة الذي ظل صامتاً طوال هذه السنوات.