شظايا من الماضي
الفصل 7 — المواجهة الصادقة
بقلم أمل الشمري
الفصل 7 — المواجهة الصادقة
في صباح اليوم التالي، وبعد أن استقرت الأمور العائلية، اتصلت سعاد بعلي، وهي لا تزال تشعر بقليلٍ من التوتر. "مرحباً علي." كان صوتها هادئًا، ولكن فيه نبرةٌ من الحسم.
"سعاد، شكرًا لكِ على الاتصال." جاء صوته دافئًا، فيه شيءٌ من الارتياح. "هل… هل فكرتِ في الأمر؟"
"نعم. سأوافق على مقابلتك، ولكن بشرط. ستكون المقابلة في مكانٍ عام، وفي النهار. ولن أذهب وحدي."
"أتفهم تمامًا." أجاب علي دون تردد. "بالطبع. أين ترغبين؟ وما هو الوقت المناسب لكِ؟"
"سيكون لقاءنا غدًا، في مقهى 'نسمات الصباح' عند الظهيرة. وستكون والدتي معي."
"موافق. غدًا عند الظهيرة. أتطلع لرؤيتكِ."
انتهت المكالمة، وشعرت سعاد بأنها قد خطت خطوةً جريئة. كانت والدتها بجانبها، تبتسم لها تشجيعًا. "أحسنتِ يا ابنتي. الشجاعة هي مفتاح الحل."
جاء صباح اليوم التالي مشرقًا، وكأن الشمس أرادت أن تمنح سعاد بعضًا من دفئها. ارتدت سعاد ملابس محتشمة وأنيقة، ووضعت لمسةً خفيفة من العطر. رافقتها والدتها، السيدة فاطمة، في الطريق إلى المقهى. كانا يتحدثان بصوتٍ خافت، تستعرضان الاحتمالات، وتستعدان نفسيًا لهذا اللقاء.
عند وصولهما إلى مقهى 'نسمات الصباح'، كان علي قد وصل بالفعل. كان جالسًا إلى طاولةٍ جانبية، ينتظرهما. عندما رأى سعاد ووالدتها تقتربان، وقف احترامًا. لم يتغير كثيرًا، لا يزال يحتفظ بابتسامته الهادئة وملامحه الطيبة.
"تفضلا بالجلوس." قال علي، مشيرًا إلى الكراسي المتاحة. جلست سعاد بجوار والدتها، بينما جلس علي مقابلهما. كان الصمت يلف الطاولة لبرهة، صمتٌ ثقيلٌ مليء بالكلمات غير المنطوقة.
بدأت السيدة فاطمة الحديث، بصوتٍ هادئٍ وحازم. "علي، نحن هنا اليوم لنستمع. سعاد لديها الكثير لتفهمه، ونحن نأمل أن تقدم لنا إجاباتٍ شافية."
نظر علي إلى سعاد، ثم إلى السيدة فاطمة. "أتفهم تمامًا. لقد انتظرت هذه اللحظة طويلاً. سعاد، أنتِ تعلمين أنني لم أكن أود إيذاءكِ أو إيذاء أي شخص. ولكن الظروف كانت أقوى مني في ذلك الوقت."
بدأت سعاد تطرح أسئلتها، بجرأةٍ لم تتوقعها من نفسها. "لماذا اختفيت يا علي؟ لماذا لم تحاول الاتصال بي؟ لماذا لم تخبرني بالحقيقة؟"
تنهد علي بعمق. "بعد تلك الحادثة… كانت الصدمة كبيرة. كنت أشعر بالخجل والذنب. كانت سمعة عائلتي على المحك، وكنت خائفًا. خائفًا من ردة فعل الجميع، وخائفًا من أن أفقد كل شيء. كان والدي مريضًا جدًا في ذلك الوقت، وكان وضعي المادي متدهورًا. اضطررت للسفر بعيدًا، بحثًا عن فرصة عمل، وعن حياةٍ جديدة. ولكن في كل خطوةٍ خطاها، كنت أفكر بكِ، وأفكر بما فعلت."
"ولكن لماذا لم تكتب لي؟ لماذا لم ترسل لي رسالة؟" سألت سعاد، وعيناها تلمعان بالدموع.
"كنت أعتقد أن هذا هو الأفضل لكِ. كنت أعتقد أن نسياني هو السبيل الوحيد لسعادتك. كنت أخشى أن يؤدي ظهوري مجددًا إلى تعقيد حياتك، خاصةً وأنكِ كنتِ في مرحلةٍ حساسة من حياتك. كنت أراقبك من بعيد، وأعلم أنكِ تزوجتِ، وأحمد رجلٌ طيب. كنت أرغب فقط في رؤيتكِ سعيدة."
"ولكنك لم ترسل لي شيئًا، ولا حتى كلمة." قالت سعاد، وصوتها يرتعش.
"لقد كان خطئي. لقد تركتُ الشكوك تتغلغل، والمسافات تتسع. في الفترة الأخيرة، وبعد أن علمت بمرض زوجك الأول، شعرت بأنني يجب أن أفعل شيئًا. حاولت مرارًا وتكرارًا الاتصال بكِ، ولكن أرقامكِ كانت تتغير، ولم أكن أعرف كيف أصل إليكِ. وعندما علمت بأنكِ قد فقدتِ زوجك، كان قلبي ينفطر. ثم سمعت أنكِ تزوجتِ من أحمد، وشعرت بارتياحٍ كبيرٍ لسماع أنكِ وجدتِ السعادة مرة أخرى."
"ولكنك الآن هنا. لماذا الآن؟" سألت سعاد.
"لقد تحسنت أوضاعي، وأصبحتُ مستقلًا ماديًا. ولكن الأهم من ذلك، أنني لم أستطع أن أعيش أكثر من ذلك وأنا أحمل هذا العبء. أردت أن أعتذر لكِ شخصيًا. وأردت أن أوضح لكِ أنني لم أتخل عنكِ أبدًا، بل كنتُ مجرد شخصٍ ضعيفٍ وخائف. أردت أن أخبركِ أنني أقدركِ، وأتمنى لكِ كل السعادة في العالم."
نظرت سعاد إلى علي، محاولةً أن تقرأ في عينيه صدق كلماته. كان يبدو نادمًا حقًا. شعرت والدتها ببعض الراحة، فرأت أن الرجل لم يكن سيئًا بطبيعته، بل كانت الظروف قاسية.
"علي،" قالت سعاد، بصوتٍ أكثر هدوءًا. "لقد مرت سنواتٌ طويلة. لقد بنيتُ حياةً جديدة، ولديّ أبناء. لا يمكنني أن أعود إلى الوراء. ولكن، سأقبل اعتذارك. وأتمنى أن نتمكن من بناء علاقةٍ جديدة، علاقةٍ تقوم على الاحترام والصدق، ولن تتكرر فيها أخطاء الماضي."
ابتسم علي ابتسامةً واسعة، امتزجت فيها الراحة والأمل. "سأقبل بأي شيءٍ تقدمينه لي. الأهم هو أنكِ لم تعودي تحملين أي ضغينة. سأكون ممتنًا دائمًا لهذه الفرصة."
جلستا يتحدثان لساعات، يتشاركان ما مرت به كل منهما في حياته. كان حديثًا صعبًا، ولكنه كان شفاءً. شعرت سعاد بأنها قد أزاحت عن كاهلها عبئًا ثقيلاً. كانت تلك المواجهة الصادقة هي خطوتها الأولى نحو سلامٍ داخلي، ونحو مستقبلٍ أكثر وضوحًا.