شظايا من الماضي
الفصل 8 — تساؤلات الأبناء
بقلم أمل الشمري
الفصل 8 — تساؤلات الأبناء
مرت الأيام على سعاد بصورةٍ مغايرة. أصبحت أكثر هدوءًا، وأكثر ثقةً بنفسها. كان لقاؤها بعلي قد أزال غشاوةً كبيرة، وسمح لها بأن ترى الأمور بوضوحٍ أكبر. ولكن، لم يكن الأمر بهذه السهولة دائمًا. كانت تشعر أحيانًا بتأنيب الضمير تجاه زوجها أحمد، الذي كان يشعر ببعض الغيرة، رغم محاولاته المستميتة لإظهار تفهمه.
"سعاد، هل أنتِ متأكدة أنكِ بخير؟" سأل أحمد ذات مساء، وهو يراقبها وهي تحدق في الفراغ.
"نعم يا عزيزي، أنا بخير. فقط كنت أفكر." أجابت سعاد بابتسامةٍ مرهقة.
"بمن تفكرين؟" سأل أحمد، يحاول إخفاء نبرة القلق في صوته.
"أفكر في كل شيء. في الماضي، وفي الحاضر، وفي المستقبل. أشعر بأنني في مفترق طرق."
"لا تقلقي يا سعاد. مهما كانت الظروف، سنواجهها معًا. أنتِ لستِ وحدكِ." قال أحمد، واضعًا يده على يدها.
على الرغم من دعم أحمد، لم تستطع سعاد أن تتجاهل التغيير الذي طرأ عليها. أصبحت أكثر انفتاحًا، وأكثر استعدادًا لمناقشة مشاعرها. ولكن، كان هناك جانبٌ آخر في حياتها لم تستطع تجاهله: أبناؤها.
كانت نور، ابنتها الكبرى، قد بلغت سن المراهقة، وبدأت تلاحظ التغيير في والدتها. لاحظت أنها أصبحت تتلقى مكالماتٍ هاتفيةً في أوقاتٍ غريبة، وأنها تقضي وقتًا أطول في التفكير.
"أمي، من كان يتصل بكِ بالأمس؟" سألت نور ذات يوم، بينما كانتا تتناولان طعام الإفطار.
ترددت سعاد للحظة. لم تكن مستعدة لإخبار أبنائها بكل شيء. "كان صديقًا قديمًا يا حبيبتي. أخبارٌ متفرقة."
"صديقٌ قديم؟ هل هو نفس الصديق الذي كنتِ تتحدثين عنه في الهاتف الأسبوع الماضي؟" أصرت نور، بنبرةٍ فضولية.
"نعم يا نور. لا تقلقي. كل شيءٍ على ما يرام."
لكن نور لم تقتنع. كانت تشعر بأن والدتها تخفي شيئًا. كانت تراقب نظرات والدتها المتوترة، وتسمع همساتها في الهاتف. لم تكن نور تحسد والدتها على أي شيء، ولكنها كانت تشعر بأنها تستحق أن تعرف الحقيقة.
أما خالد، ابنها الأصغر، فكان أقل انتباهًا للتفاصيل، ولكنه كان يشعر ببعض الحزن لأن والدته أصبحت أقل انشغالًا به. كان يفتقد ألعابها معه، وحكاياتها قبل النوم. "أمي، هل سنلعب اليوم؟" سأل خالد، وهو يمسك بيدها.
"اليوم مشغولٌ يا حبيبي. ربما غدًا." أجابت سعاد، بابتسامةٍ باهتة.
شعرت سعاد بتأنيب الضمير. كانت تحاول جاهدةً أن توازن بين حياتها الجديدة، وبين مسؤولياتها كأم. ولكن، كيف يمكنها أن تشرح لأطفالها قصةً معقدةً كهذه؟ قصةً عن رجلٍ غامضٍ من الماضي، عاد ليفتح أبوابًا مغلقة.
في إحدى الأمسيات، بينما كان أحمد يلعب مع خالد، ونور تراجع دروسها، وجدت سعاد نفسها تواجه نظرات نور المتسائلة. قررت أن هذه هي اللحظة المناسبة.
"نور، خالد، تعالوا هنا." قالت سعاد، بصوتٍ حنون.
اقترب الأطفال منها، وجلسوا حولها. "أمي، ماذا هناك؟" سألت نور.
"أريد أن أخبركما شيئًا مهمًا. ولكن أريد منكما أن تستمعا جيدًا، وأن تفهما أن كل ما سأقوله هو من أجل حبكما وسعادتكما."
بدأت سعاد تتحدث، ببطءٍ وحذر. لم تذكر اسم علي، ولكنها تحدثت عن شخصٍ مهم في حياتها السابقة، شخصٍ اضطر للابتعاد بسبب ظروفٍ قاهرة. تحدثت عن عودته، وعن رغبتها في بناء علاقةٍ جديدة معه، علاقةٍ تقوم على الصدق والاحترام.
"هل تقصدين أن هذا الرجل سيعيش معنا؟" سألت نور، بقلق.
"لا يا حبيبتي. ليس بالضرورة. الأمر معقدٌ بعض الشيء. ولكن ما أريد أن تعرفاه هو أنني أحبكما أكثر من أي شيءٍ في العالم. وأن أحمد هو أبكما، وسيبقى كذلك. وأن هذه الخطوات التي أتخذها هي لكي أجد السلام الداخلي، ولكي أكون أمًا أفضل لكما."
نظر خالد إلى والدته بذهول. لم يفهم كل شيء، ولكنه شعر بأن والدته تحتاج إلى دعمه. "أمي، نحن نحبك." قال خالد، وعانقها.
أما نور، فقد كانت تفكر بعمق. كانت ترى أن والدتها تمر بظروفٍ صعبة، وأنها تحاول أن تفعل ما هو أفضل. "أمي، أنا أفهم. ولكن… هل أنتِ سعيدة؟"
"أحاول يا نور. أحاول أن أكون سعيدة. وأحب أن أرى السعادة في وجوهكم."
شعرت سعاد ببعض الارتياح لأنها تحدثت مع أطفالها. لم يكن الأمر سهلاً، ولكنها كانت تعلم أن الصدق هو أفضل طريق. كانت تعلم أن أبناءها سيحتاجون إلى وقتٍ للتأقلم، ولكنها كانت واثقةً من أن حبهم لها، وحبها لهم، سيجعلهم يتجاوزون أي صعوبات. لقد بدأت تساؤلات الأبناء تفتح أبوابًا جديدة، أبوابًا تتطلب المزيد من الشفافية والحكمة.