الفصل 14 / 21

رباط لا ينقطع

الفصل 14 — رحلة الجامعة وبداية استقلال

بقلم وفاء البكري

الفصل 14 — رحلة الجامعة وبداية استقلال

كان يوم السفر إلى الجامعة يوماً مشهوداً في بيت الحاج عبد الرحمن. لم يكن مجرد يوم وداع، بل كان يوماً يحمل في طياته الكثير من المشاعر المختلطة: الفرحة بالإنجاز، والقلق من البعد، والأمل في مستقبل مشرق. كانت السارة، وقد ارتدت ملابس أنيقة، تقف بجوار حقائبها، وعيناها تلمعان بالحماس الممزوج ببعض التوتر.

ودعها والداها بحرارة، واحتضنتها والدتها طويلاً، تودعها بكلمات الدعاء والتذكير: "يا ابنتي، تذكري دائماً من أنتِ، ومن أين أتيتِ. كوني قوية، كوني صالحة، ولا تنسي صلاتكِ. وإن احتجتِ شيئاً، مهما كان صغيراً، فلا تترددي في الاتصال بنا."

أما الحاج عبد الرحمن، فقد وضع يده على كتفها، وقال لها بابتسامة حانية: "لقد بنيتِ أساساً قوياً يا ابنتي. الآن، حان وقت البناء فوق هذا الأساس. اجتهدي، وتعلمي، وحاولي أن تكوني مثالاً يحتذى به. نحن فخورون بكِ."

كانت السارة تشعر بأن قلبها يكبر بفرحة هائلة، وهي ترى هذا الحب والدعم يحيطان بها. لقد أدركت أن هذا الاستقلال الجديد لم يكن يعني الابتعاد عن عائلتها، بل كان يعني أن تحمل معها قيمها وحبها إلى عالم أوسع.

عند وصولها إلى الجامعة، شعرت السارة بانبهار. كانت المدينة الجديدة، المباني الضخمة، والطلاب من مختلف الثقافات، كلها أمور كانت تثير فضولها. بدأت رحلتها الأكاديمية، ورغم التحديات الأولية، شعرت بأنها في المكان الصحيح. كانت تجد متعة كبيرة في حضور المحاضرات، والمشاركة في المناقشات، والتعرف على زملاء جدد.

بفضل منحتها الدراسية، لم تكن السارة تثقل كاهل أسرتها مادياً. ولكنها، استجابة لنصيحة والدتها، قررت أن تبحث عن عمل جزئي لتكتسب خبرة عملية، ولتعتمد على نفسها بشكل أكبر. وجدت عملاً في مكتبة الجامعة، حيث كانت تقضي بضع ساعات في الأسبوع، تساعد الطلاب في إيجاد الكتب، وتنظيم الرفوف. هذا العمل لم يكن فقط مصدراً لدخل إضافي، بل كان أيضاً فرصة لها لتوسيع دائرة معارفها، ولتطوير مهاراتها التنظيمية.

من خلال عملها في المكتبة، تعرفت السارة على أستاذ جامعي متخصص في علم الاجتماع، يدعى الدكتور أحمد. كان الدكتور أحمد رجلاً ذا خبرة واسعة، وشخصية مؤثرة. لاحظ الدكتور أحمد اهتمام السارة العميق بمادة علم الاجتماع، وتفوقها في التحصيل الأكاديمي. بدأ يقدم لها النصح والإرشاد، ويشجعها على المشاركة في الأبحاث والدراسات.

"يا سارة"، قال لها الدكتور أحمد ذات يوم، "لديكِ شغف حقيقي بهذا المجال، ولديكِ القدرة على فهم تعقيدات المجتمع. لا تترددي في استغلال هذه المواهب. فالمجتمع بحاجة إلى أمثالكِ، ممن يسعون إلى فهمه وتطويره."

كانت كلمات الدكتور أحمد بمثابة دفعة قوية للسارة. لقد شعرت بأنها تسير على الطريق الصحيح، وأنها تجد مرشداً حكيماً يقودها. بدأت تشارك في ورش عمل ومؤتمرات طلابية، وتوسعت آفاقها الفكرية.

في نفس الوقت، لم تنس السارة مسؤولياتها تجاه عائلتها، وتجاه الأشخاص الذين ساعدتهم. كانت تتواصل مع والديها بانتظام، تخبرهم بأخبارها، وتستمع إلى أخبارهم. كما أنها لم تتخل عن زيارة دار الأيتام، حيث كان يوسف وعلي ينتظرانها بشوق. كانت تحاول أن تزورهم في الإجازات، وأن تبقى على اتصال معهم.

في إحدى زياراتها، وجدت السارة أن يوسف قد حصل على جائزة تفوق في مدرسته، وأن علي قد بدأ يشارك في فريق كرة القدم الخاص بالدار. شعرت بسعادة غامرة لرؤية هؤلاء الأطفال ينمون ويتطورون. لقد أدركت أن الأمل، عندما يُسقى بالرعاية والاهتمام، قادر على أن ينمو ويزدهر.

أما بالنسبة للعلاقة مع خالد، ابن عم والدها، فقد بدأت تتخذ شكلاً أكثر إيجابية. كان خالد، بفضل الدعم الذي تلقاه من الحاج عبد الرحمن، قد استعاد بعضاً من ثقته بنفسه. كان يزور الحاج عبد الرحمن بين الحين والآخر، ويشاركه أخبار عمله. ولم تعد علاقتهما تحمل ذلك التوتر الذي كان سائداً في السابق. لقد أدركت السارة أن مبدأ الصفح والعفو، الذي تعلمته من جدتها، قادر على إصلاح ما فسد، وتقوية الروابط التي تآكلت.

في أحد الأيام، تلقت السارة اتصالاً من والدها، يطلب منها العودة إلى المنزل لقضاء عطلة نهاية الأسبوع. عندما عادت، وجدت أن هناك مفاجأة تنتظرها. لقد قام والداها، بالتشاور مع بعض أفراد العائلة، بترتيب حفل صغير لتكريمها على تفوقها الأكاديمي، وعلى إنجازاتها.

كانت السارة متأثرة للغاية. لم تكن تتوقع هذا التقدير. "يا أبي، يا أمي"، قالت لهم بدموع الفرح، "إن هذا كله بفضل الله، ثم بفضلكم، وبفضل حكمة جدتي. إنني ممتنة لكل شيء."

كانت هذه العطلة فرصة للسارة لإعادة شحن طاقتها، وللتواصل مع جذورها. لقد أدركت أن استقلالها الجديد لم يلغِ انتماءها، بل عززه. وأن رحلة الحياة، وإن كانت تحمل تحديات، فإنها تصبح أسهل وأكثر جمالاً عندما نكون محاطين بالحب والدعم، وعندما نحمل في قلوبنا إرثاً من القيم النبيلة. لقد أصبحت السارة، بشخصيتها المتنامية، مثالاً حياً على أن الشفاء الحقيقي لا يعني فقط تجاوز الألم، بل يعني أيضاً النمو، والاكتشاف، وبناء مستقبل أفضل، مستندة إلى قوة الحاضر، وحكمة الماضي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%