رباط لا ينقطع
الفصل 17 — عبق الذكريات في سوق الأعياد
بقلم وفاء البكري
الفصل 17 — عبق الذكريات في سوق الأعياد
مع اقتراب عيد الفطر المبارك، بدأت شوارع المدينة تتزين بالأنوار المبهجة، وتفوح منها روائح البخور والحلويات. كان هذا العيد يحمل أهمية خاصة لعائلة الأحمدي، فهو أول عيد تمر به ليلى بصحة جيدة بعد مرضها، مما جعل البهجة تغمر قلب سارة. كان السوق في هذه الفترة أشبه بعالم سحري، يعج بالناس الذين يتسوقون لشراء ملابس العيد، والهدايا، ومستلزمات الاحتفال.
قررت سارة أن تأخذ ليلى في جولة إلى سوق الأعياد. كانت ليلى متحمسة جدًا، فقد سمعت عن سحر هذا السوق من صديقاتها في المدرسة. ارتدت سارة ثوبًا جديدًا بسيطًا، وزينت شعر ليلى بوشاح ملون. خرجتا يدًا بيد، نحو قلب المدينة النابض بالحياة.
كانت الألوان تتراقص أمام عينيهما؛ أكشاك تعرض الملابس المزركشة، وحلويات العيد الشهية، وألعاب الأطفال الملونة. كانت الضحكات تتعالى، والأحاديث تتداخل، مخلوطة بأصوات المنشدين الذين يرددون أناشيد العيد. شعرت سارة ببهجة غامرة، وهي ترى ابنتها تتأمل كل شيء بعيون واسعة مليئة بالدهشة.
أخذت سارة ليلى إلى محل لبيع الألعاب. اختارت ليلى دمية جميلة ترتدي ثوبًا تقليديًا. وعندما سألتها سارة عن سعرها، ابتسمت البائعة وقالت: "هذه هدية من المحل بمناسبة العيد، ولأنها تبدو أجمل هدية العيد". فرحت ليلى كثيرًا، وشكرت البائعة بامتنان.
توجها بعد ذلك إلى قسم الحلويات. تفوح من هذا القسم روائح الزعفران، والهيل، وماء الورد. اختارت سارة أنواعًا مختلفة من الكعك والمعمول، لتعدها في المنزل. وبينما كانتا تتجولان، لفت انتباه سارة محل صغير يعرض منتجات حرفية يدوية، منسوجات، ومفروشات مطرزة. كانت الأعمال رائعة، ومليئة بالجمال والذوق.
لمعت عينا سارة. توقفت أمام أحد الأكشاك، تتأمل عن كثب قطعة قماش مطرزة بدقة متناهية، تحمل نقوشًا هندسية وزهرية. كانت الألوان زاهية، والتطريز متقنًا، وتذكرها بأعمال جدتها التي كانت تجلس دائمًا وهي تطرز. اقتربت منها سيدة في منتصف العمر، مبتسمة، وقالت: "هل أعجبتكِ؟ هذه قطعة خاصة، صنعتها بنفسي".
بدأت سارة تتحدث مع السيدة، التي عرفت بنفسها باسم "أمينة". تحدثت أمينة عن شغفها بالتطريز، وكيف بدأت تتعلمه منذ صغرها. ثم سألت سارة عن نفسها، وعن سبب اهتمامها بهذه الأعمال. ترددت سارة قليلًا، ثم أخبرتها عن موهبتها في التطريز، وكيف بدأت تعود لممارسته.
اندهشت أمينة، وقالت: "يا له من خبر سار! أتمنى أن أرى أعمالكِ يومًا ما. هذا الفن بحاجة إلى أيدٍ مبدعة مثلكِ". ثم عرضت على سارة أن تزورها في ورشتها المتواضعة، ليروا بعض النماذج وربما يتبادلن الخبرات.
قبلت سارة الدعوة بكل سرور. كانت تشعر بأنها وجدت روحًا تشبهها، وأن هذا اللقاء قد يكون بداية لشيء جميل. كان لقاءً عاديًا في سوق الأعياد، لكنه حمل في طياته معنى أعمق، فهو يمثل استعادة لسارة لجزء من هويتها، وتواصلًا مع عالم من الجمال والإبداع.
بينما كانتا تسيران، توقفت ليلى أمام محل لبيع العطور. كانت تنظر إلى الزجاجات الملونة بفضول. قالت سارة: "هل تريدين عطرًا يا حبيبتي؟". ابتسمت ليلى وقالت: "لا يا أمي، أريد عطرًا مثل رائحة أمي عندما تعود من العمل. إنها أحلى رائحة في العالم." احتضنت سارة ابنتها، وشعرت بفيض من الحب يغمر قلبها. كانت كلمات ليلى البسيطة أبلغ من أي كلام، وعنوانًا للحب النقي الذي يجمع بينهما.
توجها إلى محل لبيع الأقمشة. اختارت سارة بعض الأقمشة الجميلة، وبعض الخيوط الملونة. كانت تتخيل التصاميم التي ستنفذها، والنقوش التي ستنسجها. شعرت بأنها قد عادت إلى الحياة، وأن هناك هدفًا جديدًا يضيء دروبها.
في طريق عودتهما إلى المنزل، حملت سارة كيسين من المشتريات، ويديها متشابكة مع يد ابنتها. كانت الشمس تغرب، تلقي بظلالها الذهبية على وجوههما. كانتا تسيران في هدوء، يستمتعان بلحظات السعادة البسيطة.
عندما وصلتا إلى المنزل، بدأت سارة في إعداد الحلويات. ليلى بجانبها، تساعدها في تزيين الكعك، وتضع التمر في المعمول. كانتا تتحدثان وتضحكان، وتستمتعان بالوقت الذي تقضيانه معًا.
بعد غروب الشمس، جلست سارة مع ليلى في شرفة المنزل، تتأملان السماء المرصعة بالنجوم. قالت ليلى: "أمي، هل سنكون دائمًا معًا هكذا؟". احتضنتها سارة وقالت: "بالتأكيد يا حبيبتي. مهما حدث، سنبقى دائمًا معًا. رباطنا أقوى من أي شيء."
كانت تلك اللحظة مليئة بالحب والطمأنينة. لقد وجدت سارة في سوق الأعياد ليس فقط متعة التسوق، بل وجدت أيضًا صدى لذكرياتها الجميلة، وبداية لعلاقات جديدة، وتأكيدًا على أن الحب هو العيد الحقيقي الذي يستمر طوال العام. أما ليلى، فقد كانت تدرك، وإن كان بوعي طفولي، أن والدتها هي عالمها كله، وأن سعادتها مرتبطة بسعادة والدتها.