عندما تبكي الشجرة
بالتأكيد، إليك الفصول من 11 إلى 15 من رواية "عندما تبكي الشجرة":
بقلم وفاء البكري
بالتأكيد، إليك الفصول من 11 إلى 15 من رواية "عندما تبكي الشجرة":
الفصل 11 — صدى الأمس في ذاكرة الياسمين
كانت نسمات المساء تحمل معها عبق الياسمين المتسلق على جدران المنزل العتيق، يداعب أوراق الشجر ويدخل من النوافذ المفتوحة ليملأ أرجاء الغرفة برائحة زكية تبعث على الهدوء والسكينة. جلست ليلى على عتبة النافذة، تراقب غروب الشمس وهو يرسم لوحات بديعة في الأفق، تتداخل فيها الألوان الدافئة من البرتقالي والأحمر والوردي، وكأن السماء نفسها تحتفل بنهاية يوم آخر. كانت عيناها تحدقان في البعيد، لكن قلبها كان غارقاً في متاهات الماضي، تستعيد ذكريات الأيام الخوالي، أيام كانت فيها الألوان أكثر بهجة، والأصوات أكثر غناء، والضحكات أصدق.
تنهدت بعمق، ثم التفتت نحو جدتها أمينة التي كانت جالسة في زاويتها المفضلة، تلفّها ببطانية صوفية خفيفة، وتُمسك بسبحة خشبية قديمة تدور بها بين أصابعها. كانت الجدة أمينة كنزاً من الحكمة والصبر، واجهت تقلبات الحياة بصدر رحب، ولم تفقد يوماً إيمانها بأن غداً يحمل معه خيراً.
"ما الذي يشغل بالك يا ليلى؟" سألت الجدة بصوت هادئ، لم ينقطع عن همهماتها المعهودة.
ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة، وقالت: "لا شيء يا جدتي، مجرد تفكير في أمور كثيرة."
اقتربت الجدة منها، ووضعت يدها بحنان على كتفها. "التفكير الزائد قد يرهق القلب يا ابنتي. هل هناك شيء أزعجك؟"
ترددت ليلى قليلاً، ثم قالت: "أفكر في أبي. لم أره منذ زمن طويل، وأشتاق إليه كثيراً. أتمنى لو يعود قريباً."
أومأت الجدة برأسها بتفهم. "الشوق للأحبة شعور طبيعي، ولكنه يحتاج إلى صبر. والدكِ يعمل من أجل مستقبلكم، وهذا عمل نبيل. علينا أن ندعو له بالتوفيق والسلامة."
"ولكن يا جدتي، أحياناً أشعر أن هناك شيئاً ما يخفيه عنا. نظراته عندما يتحدث عن عمله، تلك الحيرة في عينيه... هل تعلمين شيئاً لا أعرفه؟" سألت ليلى بحذر، متطلعة إلى وجه جدتها.
تنهدت الجدة أمينة، وبدت عليها علامات التفكير. "الحياة يا ليلى مليئة بالأسرار، بعضها يُقال، وبعضها يُترك ليُكتشف. والدكِ رجل طيب، وقلبه كبير. لكنه يحمل على عاتقه هموماً كثيرة. لقد مرّ بفترات صعبة في حياته، وربما لم يشفَ تماماً من بعض آثارها."
"آثار ماذا يا جدتي؟" استفسرت ليلى باهتمام متزايد.
نظرت الجدة نحو الشجرة الكبيرة في وسط الحديقة، والتي كانت تحمل اسمها "شجرة الياسمين". "هذه الشجرة يا ليلى، شهدت الكثير. شهدت ضحكات الأطفال، وبكاء الكبار، وهمسات العشاق، وأحاديث الأصدقاء. إنها كائن حي، له ذاكرة خاصة به. هي أيضاً تحمل آثار الزمن، لكنها تستمر في العطاء، في نشر عبيرها، وفي ظلّها الوارف."
"هل تقصدين أن أبي مثل هذه الشجرة؟ يحمل آثاراً ولكنه يستمر؟"
"بالضبط يا ابنتي. لقد مرّ بظروف قاسية، فقدان، وخيبات، وربما بعض الأخطاء التي ارتكبها في الماضي. لكنه حاول دائماً أن يكون رجلاً صالحاً. أما ما يخفيه، فربما هو محاولة لحمايتكم من هموم لا طاقة لكم بها الآن. عندما يحين الوقت المناسب، سيكشف لكِ كل شيء."
شعرت ليلى بأن كلام جدتها يلامس وتراً حساساً بداخلها. لقد كان والدها دائماً رجلاً غامضاً بعض الشيء، يتجنب الحديث عن ماضيه، ويركز فقط على الحاضر والمستقبل. ولكنها كانت تشعر دائماً بأن هناك طبقات أخرى من شخصيته لم تكتشفها بعد.
"ولكن يا جدتي، إن كنتِ تعرفين شيئاً، فربما يساعدني فهمه." قالت ليلى بصوت فيه رجاء.
أمسكت الجدة بيدها، وقالت: "بعض الأسرار يا ليلى، تظل في مكانها حتى يجدها من يبحث عنها بصدق، أو حتى تكشفها الأيام. ما أستطيع قوله لكِ هو أن والدكِ أحبكِ كثيراً، ولكنه كان دائماً يعيش صراعاً داخلياً. هذا الصراع هو ما يجعله يبدو أحياناً بعيداً أو متعباً."
"هل له علاقة بوالدتي؟" سألت ليلى، متذكرة والدتها التي توفيت وهي صغيرة.
توقفت الجدة للحظة، ثم قالت: "والدتكِ كانت ملاكاً على الأرض. رحيلها ترك فراغاً كبيراً في قلوبنا جميعاً، وبالأخص في قلب والدكِ. لقد كان حبه لها عميقاً، وفقدانها كان صدمة قاسية. ربما لم يتعافَ منها تماماً."
نزلت دمعة على خد ليلى. لم تكن تتذكر والدتها كثيراً، لكنها كانت تشعر بحبها من خلال قصص الجدة وابتسامات والدها الخافتة عندما يتحدث عنها.
"يا جدتي، ألا تعتقدين أننا بحاجة إلى فهم ماضيه لنستطيع مساعدته؟ إن كان يعاني، فمن واجبنا أن نكون بجانبه."
"بالتأكيد يا ابنتي. ولكن كيف ستساعدينه إذا كنتِ لا تعرفين ما يؤلمه؟ أول خطوة هي أن تمنحيه الثقة. أن تظهر له حبكِ غير المشروط، وأن تجعليه يشعر بالأمان لكي يتحدث. لا تضغطي عليه، بل كوني له الملجأ الذي يلجأ إليه متى شعر بالضعف."
نظرت ليلى إلى الشجرة مرة أخرى، وبدا لها أن أوراقها تتراقص مع النسيم وكأنها تحمل همسات قديمة. "شجرة الياسمين... كم تحملين من أسرار؟" تمتمت لنفسها.
"الشجرة يا ليلى، مثل الإنسان. تتعرض للرياح القوية، والجفاف، والأمراض. ولكنها إذا كانت جذورها قوية، ورُعيت جيداً، فإنها تتجاوز كل ذلك. إنها تستمر في النمو، وتُزهر من جديد. وكذلك نحن، علينا أن نتقوى، وأن نتمسك ببعضنا البعض."
شعرت ليلى بقوة جديدة تتسلل إلى قلبها. ربما لم تحصل على إجابات مباشرة، ولكنها حصلت على فهم أعمق، وعلى توجيهات قيمة. إنها بحاجة إلى الصبر، إلى الحب، وإلى الثقة.
"شكراً لكِ يا جدتي. كلامكِ دائماً يريح قلبي." قالت ليلى، واحتضنت جدتها بحنان.
ابتسمت الجدة أمينة. "والآن، قومي بإعداد كوبين من الشاي بالنعناع. رائحته الطيبة ستلطف الأجواء وتُعيد الهدوء إلى قلوبنا."
نهضت ليلى، وبدأت بالتحضير، وقلبها يفيض بمزيج من الحزن والأمل. حزن على ماضي والدها الغامض، وأمل في مستقبل يمكن أن تجمعهم فيه كل الحقائق، ويكونوا فيها أقوى وأكثر قرباً. كانت رائحة الياسمين تملأ المكان، ورائحة النعناع بدأت تختلط بها، وكأن الطبيعة نفسها تُرسل رسائل مطمئنة.