عندما تبكي الشجرة
الفصل 12 — لقاء تحت ظلال الذاكرة
بقلم وفاء البكري
الفصل 12 — لقاء تحت ظلال الذاكرة
تسللت أشعة الشمس الأولى عبر ستائر الغرفة، لتوقظ ليلى من سباتها العميق. نهضت متثاقلة، وشعرت بأن جسدها لا يزال يحتفظ بآثار القلق الذي خالجها بالأمس. لكنها كانت مصممة على اتباع نصيحة جدتها. اليوم، قررت أن تتواصل مع والدها، لا لتسأله مباشرة عن الماضي، بل لتُظهر له اهتمامها وحبها.
بعد أن أدت صلاة الفجر، تناولت فطورها بهدوء، ثم جلست في الحديقة، تحت شجرة الياسمين التي أصبحت بالنسبة لها رمزاً للصمود والذاكرة. أمسكت بهاتفها، وقلبها يخفق بتردد. لقد كانت المكالمات قليلة ومتباعدة، وغالباً ما تكون قصيرة ومقتضبة. لكنها اليوم، أرادت أن تغير هذا النمط.
"السلام عليكم يا أبي." قالت بصوت دافئ ومليء بالحب.
جاء صوت والدها متعباً قليلاً. "وعليكم السلام يا حبيبتي. كيف حالك؟ وكيف حال جدتك؟"
"بخير يا أبي، الحمد لله. وجدتي بصحة جيدة، تسلم عليك كثيراً. كيف حالك أنت؟ هل عملك يسير على ما يرام؟" سألت ليلى، محاولةً أن تبدو طبيعية قدر الإمكان.
"الحمد لله، الأمور تسير. العمل متعب قليلاً، ولكن لا بأس. هل تحتاجون شيئاً؟"
"لا يا أبي، كل شيء متوفر. فقط أردت أن أطمئن عليك. أفتقدك كثيراً." قالت ليلى، وشعرت بأن صوتها يرتجف قليلاً.
صمت والدها لبرهة، وكأن كلماتها أثرت فيه. "وأنا أيضاً يا ابنتي، أفتقدكم كثيراً. أنتم نور عيني."
"متى ستعود يا أبي؟ نحن بانتظارك بفارغ الصبر."
"قريباً يا ليلى، قريباً إن شاء الله. لقد اقتربت نهاية المشروع."
"إن كان وقتك يسمح، هل تفضل أن نزورك؟ أو ربما نلتقي في مكان ما؟" اقترحت ليلى، وهي تشعر ببعض التوتر.
"اللقاء سيكون جيداً. ولكن ربما من الأفضل أن ألتقي بكِ وحدكِ هذه المرة. هناك مكان لطالما أردتُ أن أريكِ إياه. مكان يحمل الكثير من الذكريات."
"مكان؟ أين يا أبي؟"
"سأخبركِ بالعنوان لاحقاً. هل تستطيعين القدوم غداً بعد الظهر؟"
"بالتأكيد يا أبي. أنا مستعدة."
"بارك الله فيكِ يا ابنتي. الآن يجب أن أذهب، لدي بعض الأعمال العاجلة. اعتني بنفسكِ وبجدتكِ."
"في أمان الله يا أبي. والسلام عليكم."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
أغلقت ليلى الهاتف، وشعرت بمزيج من الإثارة والقلق. والدها يريد أن يلتقي بها في مكان خاص، مكان يحمل ذكريات. هل سيكون هذا هو الوقت المناسب لتبدأ في فهمه؟
في اليوم التالي، استيقظت ليلى مبكراً، واستعدت للقاء. اختارت ثوباً بسيطاً وأنيقاً، وارتدت حجابها. ثم ودعت جدتها، ووعدتها بأن تعود قبل غروب الشمس.
قادها والدها عبر طرقات المدينة، ثم اتجه نحو أطرافها، حيث تتناثر البيوت القديمة والحدائق المهملة. توقف بسيارته أمام باب خشبي قديم، مزين بالنقوش، ويبدو عليه القدم. فتح والدها الباب، وابتسم ابتسامة باهتة.
"هنا يا ليلى. هذا هو المكان."
نظرت ليلى حولها. كانت حديقة واسعة، مليئة بالأشجار القديمة، وبعض الزهور البرية التي تنمو بين الحشائش. وفي وسط الحديقة، كان هناك بيت صغير، يبدو مهجوراً، ولكنه يحتفظ بجمال هادئ.
"ما هذا المكان يا أبي؟" سألت ليلى، وهي تشعر بفضول عميق.
"هذا هو بيت جدتكِ لوالدتكِ. بيت الطفولة. لقد كنتُ أنا ووالدتكِ نقضي فيه الكثير من أوقاتنا السعيدة. كل زاوية هنا تحمل ذكرى."
دخلوا البيت. كانت الغرف واسعة، ولكن الأثاث مغطى بالأغطية البيضاء، وكأن الزمن توقف فيه. كان الغبار يكسو الأسطح، ولكنه لم يخفِ الجمال الحقيقي للمكان.
"لقد قمتُ بترتيبه قليلاً قبل أن آتي بكِ." قال والدها، وهو يشير إلى طاولة صغيرة في غرفة المعيشة، عليها بعض الفاكهة وماء.
جلست ليلى على أريكة قديمة، وشعرت بأن الهواء هنا يحمل عبق الماضي.
"هل لي أن أسألك يا أبي؟" قالت ليلى بتردد.
"تفضلي يا ابنتي."
"هل لي أن أسألك عن أمي؟ أود أن أعرف المزيد عنها. كنتُ صغيرة جداً عندما رحلت."
تنهد والدها، وجلس بجانبها. "والدتكِ يا ليلى، كانت أجمل ما حدث لي في حياتي. كانت طيبة القلب، كريمة الروح، ومحبة للحياة. كانت تحب هذه الحديقة، وتحب زراعة الزهور. كانت تحلم بأن يصبح هذا البيت مكاناً مليئاً بالضحكات والأصوات."
بدأ والدها يتحدث، وبدأ يروي لها قصصاً عن والدتها. عن لقائهما الأول، عن خطبتهما، عن أيامهما الأولى كزوجين. كانت عيناه تلمعان بالحنين، وصوته يرتعش أحياناً.
"كانت تحب رائحة الياسمين، تماماً كما تحبينه أنتِ. كانت تقول إنها تذكرها ببيت جدتها."
"الياسمين؟" تذكرت ليلى شجرة الياسمين في حديقة منزلهم. "لكن يا أبي، كيف أصبحت أنت وزوج أمي؟"
سألت ليلى سؤالها، وهي تشعر بأنها تقترب من منطقة حساسة.
تغيرت ملامح والدها قليلاً، وبدت عليه علامات الألم. "هذا أمر معقد يا ليلى. بعد رحيل والدتكِ، شعرتُ بأن حياتي قد انتهت. كنتُ غارقاً في حزني، وغير قادر على الاعتناء بكِ وحدي. لذلك، تزوجتُ من امرأة طيبة، كانت لديها ابنة اسمها سارة. اعتقدتُ أن وجود أم بديلة لكِ سيمنحكِ الاستقرار الذي تحتاجينه."
"ولكن... لماذا لم أخبريني بذلك؟ ولماذا انفصلتما؟"
"لم يكن الأمر سهلاً يا ليلى. زوجتي لم تكن قاسية، ولكنها لم تكن قادرة على فهم عمق حزني على والدتكِ. وسارة، كانت طفلة تعيش في ظلّ قلق دائم. حاولتُ جاهداً أن أوفق بين الجميع، ولكن الأمر كان صعباً. وفي النهاية، وجدنا أن انفصالنا هو الحل الأفضل للجميع. شعرتُ بالذنب تجاهكِ، لأنني لم أستطع توفير البيئة المثالية لكِ. لذلك، حاولتُ أن أُعوضكِ عن ذلك بالعمل، وبالسفر."
"ولكنك تركتني يا أبي. تركتني مع جدتي، شعرتُ بأنني وحيدة."
"أنا آسف يا ليلى. لم يكن ذلك مقصوداً. لقد كنتُ أصارع شيطاناً بداخلي، شيطان الحزن والشعور بالذنب. لم أكن أعرف كيف أتعامل مع الأمر. عندما عدتُ، حاولتُ أن أكون أقرب، ولكنني شعرتُ بأنني غريب في حياتكم."
بدأت ليلى تفهم. والدها لم يكن قاسياً أو متخفياً عمداً. لقد كان يعاني، وكان يصارع مشاعره الخاصة.
"أبي، أنا لا ألومك. ولكن أرجوك، كن معي الآن. جدتي وأنا نحتاجك. أنا أحتاجك." قالت ليلى، ودموعها تنهمر.
مدّ والدها يده، ومسح دموعها. "أنا هنا يا ابنتي. لن أذهب مرة أخرى. سأحاول أن أصلح كل شيء."
جلسا لبعض الوقت، يتحدثان، ويستعيدان ذكريات الماضي. كل كلمة كانت تُخرج الألم، وتُفسح المجال للأمل. كانت شجرة الياسمين في الخارج، وكأنها تشهد هذا اللقاء، وتُبارك المصالحة.