عندما تبكي الشجرة

الفصل 13 — عبق الماضي ونداء المستقبل

بقلم وفاء البكري

الفصل 13 — عبق الماضي ونداء المستقبل

في تلك الحديقة الهادئة، حيث تتراقص ظلال الأشجار على الجدران القديمة، كان يجلس الأب وابنته، يتناثر بينهما عبق ذكريات الماضي، وتتلاقى أرواحهم نحو المستقبل. لم يكن الأمر مجرد لقاء عابر، بل كان بداية لمصالحة عميقة، ولجسور جديدة تُبنى فوق هوة السنين.

قال الأب، وهو ينظر إلى السماء الزرقاء الصافية: "أتذكرين يا ليلى، كم كانت والدتكِ تحب هذه الشجرة؟ كانت تقول إنها شجرة السعادة. كانت تعتني بها كما لو كانت طفلتها. وفي كل عام، كنا نزرع معاً شتلة ورد جديدة هنا، حول جذعها."

ابتسمت ليلى ابتسامة حزينة. "أتمنى لو كنتُ أستطيع أن أتذكرها بشكل أفضل."

"لا بأس يا ابنتي. ذكرياتها محفورة في قلوبنا. وأنا هنا لأرويها لكِ. كانت تحلم بأن نعيش جميعاً هنا، في هذا البيت، ونبني أسرة كبيرة، مليئة بالحب والبهجة. ولكن الحياة، يا ليلى، لها خطط أخرى."

"ولماذا لم نحقق هذا الحلم يا أبي؟ هل كنتَ غير سعيد؟" سألت ليلى، بشيء من القلق.

تنهد الأب بعمق، ثم قال: "الحزن يا ابنتي، لديه القدرة على تغيير كل شيء. عندما فقدتُ والدتكِ، شعرتُ بأن قطعة مني قد انتُزعت. لم أعد أرى الحياة بنفس الألوان. كنتُ غارقاً في حزني، ولم أكن أرى إلا الفراغ الذي تركته. في تلك الحالة، أي محاولة لبناء سعادة جديدة، كانت تبدو لي كخيانة لذكراها."

"ولكن يا أبي، ألم يكن من واجبي أن أعتني بك؟ وأن أكون بجانبك؟"

"كنتِ صغيرة يا ليلى. ولم يكن بوسعي أن أحملكِ أعباء حزني. كنتُ أظن أنني أحميكِ عندما ابتعد. ولكني أدركتُ الآن، أن الابتعاد لم يكن حلاً. بل كان سبباً في المزيد من الشعور بالوحدة."

"لقد شعرتُ بالوحدة كثيراً يا أبي. خاصة عندما كنتُ أرى بقية الأطفال مع آبائهم. كنتُ أسأل جدتي دائماً لماذا لا أراك."

"أنا آسف يا حبيبتي. آسف على كل لحظة شعرتِ فيها بالوحدة. لقد كنتُ ضعيفاً، وغير قادر على مواجهة الأمر. ولكن الآن، أنا هنا. وسأبذل قصارى جهدي لتعويض كل ما فات."

وقفت ليلى، ومشت نحو نافذة المنزل. نظرت إلى الخارج، حيث كانت الحديقة تبدو أكثر جمالاً تحت أشعة الشمس.

"يا أبي، إن كان هذا البيت يحمل ذكريات جميلة، فلماذا تركناه؟ لماذا لم نحافظ عليه؟"

"لقد كان من الصعب جداً عليّ البقاء هنا بعد رحيل والدتكِ. كل شيء كان يذكرني بها. حتى هذا البيت، أصبح كأنه شاهد على سعادة لم تعد موجودة. لذلك، قررتُ أن أبتعد، وأبدأ من جديد. ولكني لم أستطع أن أنسى هذا المكان تماماً. لقد ظلّ جزءاً من قلبي."

"ولكن يا أبي، ألا تعتقد أننا نستطيع أن نعيد الحياة إليه؟ أن نعيد إليه الضحكات والأصوات؟"

نظر الأب إلى ابنته، ورأى في عينيها بريق الأمل الذي افتقده منذ زمن طويل. ابتسم ابتسامة حقيقية هذه المرة.

"ربما يا ليلى. ربما. أنتِ لديكِ القوة التي لم أعد أمتلكها. لديكِ الإيمان بمستقبل أفضل."

"لدينا بعضنا البعض يا أبي. وهذا هو أهم شيء." قالت ليلى، ووقفت بجانبه.

"صحيح. لقد كنتُ مخطئاً عندما اعتقدتُ أنني أستطيع أن أكون قوياً بمفردي. القوة الحقيقية تكمن في العائلة، في الترابط، في الحب."

بعد فترة من الصمت، قال الأب: "هناك شيء آخر أريد أن أخبركِ به يا ليلى. شيء يتعلق بجدتكِ لأمكِ."

"جدتي؟ ماذا عنها؟"

"لقد كانت امرأة قوية جداً. ولكن بعد رحيل والدتكِ، ودّعت الحياة هي الأخرى. تركت لي هذا البيت، وبعض الأشياء القيمة. ولكن الأهم من ذلك، تركت لي وصية."

"وصية؟"

"نعم. وصية بأن أعتني بكِ وبوالدتكِ. وأن أُحافظ على هذا البيت كذكرى لنا. لقد شعرتُ دائماً بأنني لم أوفِ بوعدي لها."

"ولكنك الآن هنا يا أبي. هذا يعني أنك وفيت بوعدك."

"إن شاء الله. وأنا أريدكِ يا ليلى، أن تساعديني في تحقيق هذا الوعد. أريد أن نعيد الحياة إلى هذا البيت. أن نزور جدتكِ في ذاكرتها، وأن نزرع معاً شتلات جديدة. هل أنتِ معي؟"

"بالتأكيد يا أبي! أنا معك قلباً وقالباً."

شعر الأب بارتياح كبير. لأول مرة منذ سنوات، شعر بأن ثقلاً كبيراً قد أُزيح عن صدره. لقد كانت ابنته هي المنقذة، وهي مصدر قوته.

"هيا بنا يا ليلى. لنبدأ اليوم. سأريكِ أين كانت والدتكِ تزرع الورود."

خرج الأب وابنته إلى الحديقة، وبدأ الأب يشير إلى أماكن معينة، ويحكي عن ذكرياته مع زوجته. ليلى كانت تستمع بانتباه، وتحاول أن تتخيل والدتها، تلك المرأة التي لم تعرفها إلا من خلال القصص.

كانت الشمس في كبد السماء، تُلقي بأشعتها الذهبية على المكان، وكأنها تُبارك هذه البداية الجديدة. لم يعد البيت مهجوراً، بل أصبح مشرقاً بوجودهم، وبآمالهم.

بعد ساعات، ومع اقتراب غروب الشمس، ودع الأب وابنته البيت القديم، ووعداه بالعودة قريباً. كان قلب ليلى مليئاً بالسعادة، وقلب والدها يمتلئ بالأمل. لقد وجد كل منهما في الآخر ما كان يبحث عنه: الحب، والتفهم، والتسامح.

وعندما عادوا إلى المنزل، استقبلتهم الجدة أمينة بابتسامة واسعة. "أهلاً بكما! أرى أنكما كنتما تقضيان وقتاً ممتعاً."

"نعم يا جدتي، وقتاً رائعاً." قالت ليلى، وهي تحتضن جدتها. "لقد تحدثتُ مع أبي، وفهمتُ الكثير."

نظر الأب إلى والدته، وقال: "لقد سامحتني يا أمي؟"

ابتسمت الجدة أمينة ابتسامة هادئة. "الحياة يا أمين، مليئة بالتقلبات. المهم هو أن نتعلم من أخطائنا، وأن نستمر في السير إلى الأمام. وأنا فخورة بكَ اليوم."

شعرت ليلى بأن كل شيء بدأ يتغير. لقد بدأت شجرة الياسمين في منزلهم، تبكي دموع الفرح هذه المرة، لا دموع الحزن.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%