عندما تبكي الشجرة

الفصل 14 — خيوط تتشابك وأسرار تنكشف

بقلم وفاء البكري

الفصل 14 — خيوط تتشابك وأسرار تنكشف

عادت ليلى إلى حياتها الطبيعية، ولكنها لم تعد كما كانت. في كل مرة تنظر فيها إلى والدها، ترى فيه رجلاً مختلفاً، رجلاً يمتلك عمقاً لم تدركه من قبل. لقد تغيرت علاقتهما، وأصبحت أقرب، وأكثر دفئاً. كانا يتحدثان كل يوم، يتبادلان الأفكار، ويشاركان المشاعر. أما عن زياراتهم للبيت القديم، فقد أصبحت عادة منتظمة، يقومون فيها بترميم الحديقة، وزراعة الزهور، وإعادة ترتيب الأثاث. كل زيارة كانت بمثابة رحلة استكشاف جديدة في عالم ذكريات والدتها.

ذات مساء، وبينما كانت ليلى تساعد والدها في ترتيب بعض الكتب القديمة في البيت، وقعت عينها على صندوق خشبي صغير، مغلق بإحكام، وكان مخبأً تحت طاولة قديمة.

"ما هذا يا أبي؟" سألت ليلى، وهي تلتقط الصندوق.

نظر الأب إلى الصندوق، وبدت على وجهه علامات الدهشة. "لا أتذكر هذا الصندوق. ربما هو لوالدتكِ."

حاولوا فتحه، ولكن القفل كان قديماً وصعباً. بعد عدة محاولات، نجح الأب في فتحه. انبعث من الصندوق عبق خفيف، ممزوج برائحة الأوراق القديمة.

فتحت ليلى الصندوق بحذر، لتجد بداخله مجموعة من الرسائل القديمة، وصورة بالأسود والأبيض. كانت الصورة لوالدتها، وهي شابة، تقف بجانب رجل طويل القامة، ذي ملامح حادة. بدا الرجل غريباً على ليلى.

"من هذا الرجل يا أبي؟" سألت ليلى، وهي تشير إلى الرجل في الصورة.

تغيرت ملامح الأب، وبدا عليه شيء من الارتباك. "لا أعرف. لم أره من قبل."

بدأت ليلى في قراءة الرسائل. كانت كلها مكتوبة بخط يد والدتها الأنيق. كانت الرسائل موجهة إلى شخص يُدعى "أحمد". كانت عبارات الحب والشوق تتردد في كل سطر. ولكن، لم تكن هذه الرسائل هي ما أثار دهشة ليلى.

"يا أبي، هذه الرسائل... هل كتبتها أمي قبل أن تتزوجك؟" سألت ليلى، وقلبها يخفق بقوة.

نظر الأب إلى الرسائل، وقرأ بعض السطور. ثم نظر إلى الصورة مرة أخرى. بدت عليه علامات الصدمة.

"لا يمكن. هذا مستحيل." تمتم الأب.

"ماذا تقصد يا أبي؟"

"أمي... والدتكِ... لم تكن من النوع الذي يكتب مثل هذه الرسائل قبل الزواج. لقد كانت متدينة جداً، ومحافظة."

بدأت ليلى تشعر بأن هناك شيئاً ما غريباً يحدث. بدأت تقرأ الرسائل بصوت أعلى، لتتأكد من كل كلمة.

"لقد ذكرت هذه الرسالة اسم "أحمد" كثيراً. ومن هو أحمد هذا؟"

"ربما يكون صديقاً للعائلة." قال الأب، ولكنه لم يكن مقتنعاً.

نظرت ليلى إلى الصورة مرة أخرى. الرجل في الصورة، ذو الملامح الحادة... هل يمكن أن يكون "أحمد"؟

"يا أبي، هل لي أن آخذ هذه الرسائل والصورة؟ أود أن أُظهرها لجدتي. ربما تعرف شيئاً."

أومأ الأب برأسه، وهو لا يزال متأثراً. "خذيها يا ابنتي. ربما يكون لديها تفسير."

عادت ليلى إلى منزلها، وقلبها يعج بالأسئلة. هل يمكن أن تكون والدتها قد عاشت قصة حب قبل والدها؟ وهل هذا "أحمد" له علاقة بماضيها؟

في اليوم التالي، ذهبت ليلى إلى جدتها، وأخرجت لها الصندوق.

"يا جدتي، وجدتُ هذا الصندوق في البيت القديم. هل تعرفين شيئاً عنه؟"

فتحت الجدة أمينة الصندوق، ونظرت إلى الرسائل والصورة. ثم رفعت رأسها، ونظرت إلى ليلى، وفي عينيها مزيج من الحزن والفهم.

"آه يا ليلى... هذه الرسائل... وهذه الصورة." قالت الجدة بصوت متأثر.

"ما بها يا جدتي؟ هل تعرفين شيئاً؟"

"نعم يا ابنتي. أحمد هذا... كان حب والدتكِ الأول. كانا يحبان بعضهما بشدة. ولكن القدر لم يشاء لهما أن يكونا معاً. لقد انفصلا لأسباب عائلية، ثم تزوجت والدتكِ من والدكِ."

"ولكن... لماذا لم تخبرني والدتي بأحمد؟ ولماذا لم يخبرني أبي؟"

"والدتكِ لم تنسَ أحمد أبداً. ولكنها اختارت أن تلتزم بقرارها، وأن تبدأ حياة جديدة مع والدكِ. لقد حاولت أن تكون زوجة صالحة، وأماً محبة. أما والدكِ، فلم يكن يعرف شيئاً عن أحمد. لقد كان يعتقد أن حب والدتكِ له هو الحب الوحيد في حياتها."

"وهذه الصورة؟" سألت ليلى، وهي تشير إلى الرجل في الصورة.

"هذا هو أحمد. يبدو أن والدتكِ احتفظت بصورته، كذكرى قديمة. ربما لم تستطع أن تتخلص منها."

شعرت ليلى بأنها على وشك اكتشاف سر كبير. "ولكن يا جدتي، إن كانت أمي تحب أحمد، فلماذا تزوجت أبي؟"

"أحياناً يا ليلى، لا نستطيع أن نختار من نحب، ولكننا نختار من نتزوج. لقد كانت هناك ظروف عائلية قاسية، وربما رأت والدتكِ في زواجها من والدكِ مصلحة لعائلتها. ولكن هذا لا يعني أنها لم تحب والدكِ. لقد أحبته بطريقتها الخاصة، وأنجبت لكِ. ووالدكِ، كان رجلاً صالحاً، وأعطاها حياة مستقرة."

"ولكن... إن كانت لا تزال تحب أحمد، فهل هذا يعني أن زواجها من أبي لم يكن سعيداً؟" سألت ليلى، وهي تشعر بالقلق.

"السعادة يا ليلى، لها أشكال مختلفة. والدتكِ لم تكن تعيسة، ولكنها ربما كانت تحمل في قلبها شوقاً لحب ضائع. ولكن هذا لم يمنعها من أن تكون أماً رائعة، وزوجة وفية. والدكِ لم يكن يعرف شيئاً عن أحمد، لأنه كان يؤمن بأن حبه لوالدتكِ كافٍ. وعندما رحلت والدتكِ، شعر هو أيضاً بالفراغ، وبدأ يتصارع مع مشاعره الخاصة."

"إذاً، كل ما حدث لأبي، وكل حزنه، ربما كان بسبب هذا الحب القديم؟"

"ربما. أو ربما كان حزنه على فقدانها هو السبب الرئيسي. الحب القديم ربما يكون قد أضاف طبقة أخرى من التعقيد. المهم الآن يا ليلى، هو أن تفهمي والدكِ. وأن تُظهر له أنكِ تقفين بجانبه، بغض النظر عن ماضيه."

شعرت ليلى بأنها في مفترق طرق. كيف يمكن أن تواجه والدها بهذا الأمر؟ هل يجب أن تخبره بكل شيء؟

"يا جدتي، هل تعتقدين أن عليّ أن أخبر أبي بكل هذا؟"

نظرت الجدة أمينة إلى ليلى بعمق. "هذا قرار صعب يا ابنتي. ولكن تذكري، أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، فإنها غالباً ما تكون أفضل من عدم معرفتها. ولكن الأهم من الحقيقة، هو كيفية التعامل معها. عليكِ أن توازني بين كشف الحقيقة، وبين حماية قلب والدكِ."

"ربما... ربما يمكنني أن أبدأ بسؤال أبي عن أحمد. بطريقة غير مباشرة." قالت ليلى، وهي تفكر.

"هذا قد يكون بداية جيدة. ولكن كوني حذرة. لا تجعليه يشعر بأنه قد خُدع. بل اجعليه يشعر بأنكِ تسعين إلى فهم أعمق لشخصية والدتكِ، وللتجارب التي مرت بها."

خرجت ليلى من منزل جدتها، وهي تشعر بثقل كبير. لقد بدأت تتكشف أسرار، وخيوط الماضي بدأت تتشابك بطرق لم تكن تتوقعها. ولكنها كانت تعلم، أن عليها أن تواجه هذا الأمر، من أجل والدها، ومن أجل فهم أعمق لعائلتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%