عندما تبكي الشجرة
بالتأكيد، إليك الفصول من 16 إلى 20 من رواية "عندما تبكي الشجرة":
بقلم وفاء البكري
بالتأكيد، إليك الفصول من 16 إلى 20 من رواية "عندما تبكي الشجرة":
الفصل 16 — همسات الوصية وعطر التراب
لم تكن نسمات الهواء التي داعبت وجهها تحمل رائحة الياسمين المعتادة، بل كانت ثقيلة، مشبعة بعبق التراب المبلل وذكرى الأيام الغابرة. وقفت سارة أمام شجرة التفاح العتيقة، الشجرة التي شهدت طفولتها، ولحظات حزنها وفرحها، أحلامها البسيطة وهواجسها المعقدة. بدت الأغصان المتشعبة كأذرع حانية تحتضن أسرار الماضي، واللحاء الخشن يحكي قصصاً لا تُحصى عن السنين التي مرت.
كانت الأمسية قد خيّمت بظلالها الرمادية على الحديقة، والهدوء الذي اعتادته سارة لم يعد مريحاً، بل أصبح يحمل ثقلاً غير مرئي. لم تكن وحدها تماماً، فقد كانت روح جدتها، وذكريات أبيها، وصوت أمها يتردد في جنبات المكان. تذكرت كلمات جدتها الأخيرة، تلك الهمسات الخافتة التي كانت أشبه بوصية، تودع بها الحياة وتترك لها أثراً باقياً.
"الشجرة يا بنيتي، هي الروح التي تتجسد في الأرض. ارويها بالحب، واحمها من قسوة الأيام، فستمنحك من ثمارها وبركتها ما لم تتوقعي."
كانت هذه الكلمات تتردد في أذنيها كصدى لحن قديم. كيف لم تدرك معنى هذه الوصية إلا الآن؟ كانت ترى الشجرة كشيء جميل، كمنظر خلاب، لكنها لم تفهم أبداً عمق الارتباط الذي كانت تكنه جدتها لها، بل وللأرض كلها. كانت جدتها، رحمها الله، ترى في كل نبات، في كل كائن حي، صلة روحية عميقة، حكمة لا تُدرك بالعقل وحده.
اقتربت سارة أكثر، ومررت أناملها بخفة على اللحاء السميك. شعرت بخشونته، ببرودته، وبدفء الحياة الذي يسري في عروقه. تذكرت كيف كانت جدتها تقف هنا، تهمس للشجرة، وكأنها تتحدث مع صديقة قديمة. كانت تضع يدها على جذعها، تغمض عينيها، ثم تبتسم ابتسامة غامضة.
"ماذا كنتِ تفعلين يا جدتي؟" سألتها سارة ذات يوم، وهي طفلة فضولية. أجابت الجدة بهدوء وهي تنظر إلى الأفق: "أتحدث معها يا حبيبتي. هذه الشجرة تحمل الكثير من الحكايات. كل ورقة، كل غصن، له قصة. وهي أيضاً تحكي لنا ما لا نستطيع قوله."
اليوم، فهمت سارة. بدأت تشعر بلسان الشجرة، بلغة صامتة لكنها قوية. بدأت تفهم أن هذه الشجرة لم تكن مجرد شجرة تفاح، بل كانت ذاكرة حية، شاهداً على أفراح وأحزان عائلتها، جسراً يربط بين الماضي والحاضر.
تنهدت بعمق، وشعرت بدمعة تتسلل على خدها. دمعة لم تكن للحزن فقط، بل ممزوجة بالندم على سنوات قضتها بعيدة عن هذا المكان، بعيدة عن هذه الروح. تذكرت أبيها، كيف كان يعتني بهذه الشجرة بحب، وكيف كان يرويها بنفسه، وكيف كان يجمع ثمارها ليتقاسمها مع جيرانهم. كان أبيها يرى فيها امتداداً لروح جدتها، امتداداً للحب والعطاء.
"ربما هي تبكي الآن يا أمي،" قالت سارة بصوت خافت، مخاطبة روح والدتها الغائبة. "تبكي لغيابكم، وتبكي لأنها لم تعد تُروى بنفس القدر من الحب."
شعرت ببرد مفاجئ، ورغم ذلك، لم تشعر بالخوف. بل شعرت بقوة تنبعث من الأرض، من جذور الشجرة المتعمقة. تذكرت وعدها لأبيها، وعدها بأن تعتني بكل ما تركه وراءه. لكنها لم تكن تعلم أن هذا الوعد يشمل هذه الشجرة بهذا العمق.
نظرت إلى السماء، حيث بدأت النجوم تتلألأ في صمت. تساءلت: هل يمكن لشجرة أن تبكي حقاً؟ هل يمكن أن تشعر بالحزن، بالألم، بالشوق؟ ربما. ربما إذا كانت قد حملت أرواحاً عاشت تحت ظلالها، وتركت فيها بصمة حب عميقة.
كانت الشجرة تبدو ككائن حي، تتنفس الهواء، وتستقبل نسمات الليل. كانت سارة تشعر بوجودها، بكيانها. بدأت تشعر بمسؤولية جديدة، بعبء لطيف على كتفيها. هذه الشجرة بحاجة إليها. بحاجة إلى حبها، إلى اهتمامها، إلى من يفهم لغتها الصامتة.
قررت أن تبدأ من الغد. ستقوم بزيارة الشجرة كل يوم، ستعتني بها، ستتحدث معها، وربما، فقط ربما، ستتمكن من فهم ما تحاول أن تقوله. ربما ستجد في أغصانها الملتوية، وفي أوراقها المتساقطة، إجابات لأسئلة كانت تؤرقها. ربما ستجد فيها عزاءً، وشفاءً، وقوة.
وقفت سارة طويلاً تحت الشجرة، تتأمل في عظمة هذا الكائن الصامت. شعرت بأنها أصبحت جزءاً منه، وأن جذورها بدأت تتشابك مع جذوره. كانت هذه الليلة بداية فصل جديد في حياتها، فصل ستكتبه بحبر الحب، وستزينه بعبق تراب الأرض، وسترويه بدموع الفهم والامتنان. لم تكن مجرد شجرة، بل كانت وصية، كانت ذِكرى، كانت روحاً تتحدث إليها.